رأى خبراء أن حرب إيران تعكس كيفية عمل واشنطن على إعادة ضبط التوازنات في المناطق الحساسة، وأن تأثير السياسة الأمريكية لا يتوقف عند الشرق الأوسط، بل يمتد إلى حسابات القوى الكبرى الأخرى.
وتتحول الحرب على إيران إلى اختبار مهم لطبيعة الدور الأمريكي في إدارة الأزمات الدولية، فالتصعيد الجاري يضع واشنطن أمام تحدي تثبيت معادلات الردع في منطقة حيوية للاقتصاد العالمي، بينما تتابع بكين هذه التطورات بدقة ضمن حساباتها الاستراتيجية المرتبطة بتوازن القوة في النظام الدولي.
بالنسبة لواشنطن، يأتي التصعيد العسكري ضد إيران في إطار مقاربة تقوم على إعادة تثبيت معادلات الردع في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
والتحركات الأمريكية الحالية تعكس أيضًا توجهًا أوسع في السياسة الخارجية يتمثل في استخدام أدوات متعددة لإدارة التوازنات الدولية، تشمل القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية.
ومن هذا المنظور، تكون الحرب ضد إيران كجزء من سياسة تهدف إلى تثبيت القدرة الأمريكية على إدارة الأزمات الدولية في مناطق استراتيجية.
وبرز التنافس بين الولايات المتحدة والصين بشكل واضح خلال أعمال مؤتمر ميونخ للأمن في شباط الفائت، حيث عكس الخطابان اللذان ألقاهما وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيره الصيني وانغ يي اختلافًا عميقًا في رؤية البلدين للنظام الدولي.
وركّز روبيو على ضرورة استعادة الولايات المتحدة قدرتها على قيادة النظام العالمي، مشيرًا إلى أن واشنطن ستواصل استخدام أدوات القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لحماية مصالحها وشبكة تحالفاتها الدولية.
أما وانغ يي فقد قدّم مقاربة مختلفة ركّزت على دور المؤسسات الدولية ومفهوم التعددية في إدارة النظام العالمي، وعلى هامش المؤتمر عقد المسؤولان لقاءً ثنائيًا في محاولة للإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة، في ظل استمرار التوتر الاستراتيجي بين القوتين.
في المقابل، تتعامل بكين مع الحرب حول إيران بحذر واضح، فالصين التي ترتبط بعلاقات اقتصادية واسعة مع منطقة الخليج وتعد من أكبر المستوردين للطاقة في العالم، تدرك أن أي تصعيد واسع في هذه المنطقة قد يؤثر مباشرة في استقرار الأسواق العالمية.
وقد أكد وزير الخارجية الصيني في تصريحات له مؤخرًا أن الحرب "كان يجب ألا تحدث"، داعيًا إلى معالجة التوترات عبر الحوار السياسي وتجنب توسع الصراع في منطقة الخليج.
وتتابع بكين التطورات من زاوية أوسع تتعلق بتوازنات القوة العالمية، ومن هذا المنظور، ترى بكين أن التحولات الجارية في الشرق الأوسط تشكل جزءًا من بيئة دولية متغيرة تتطلب إعادة تقييم مستمرة لموقع الصين في النظام الدولي.
والعلاقة بين القوتين لم تعد تقتصر على ملفات التجارة أو التكنولوجيا، إنما أصبحت تشمل أيضًا كيفية إدارة الأزمات الدولية وتحديد قواعد النظام العالمي.
وتعتمد الولايات المتحدة على شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والاقتصادية، بينما توسّع الصين حضورها عبر الشراكات الاقتصادية ومشروعات البنية التحتية، وتعيد الحرب على إيران طرح أسئلة أوسع حول شكل النظام الدولي في ظل تحولات متسارعة في موازين القوة العالمية.
ورأى الخبير الأمريكي في السياسة الصينية، إيفان ميديروس، أن الحرب على إيران تعكس جانبًا من المقاربة الأمريكية الحالية التي تميل إلى استخدام الضغط العسكري والسياسي لإعادة ضبط التوازنات في مناطق حساسة، لكنه يلفت إلى أن تأثير هذه السياسة لا يتوقف عند الشرق الأوسط، بل يمتد إلى حسابات القوى الكبرى الأخرى.
وأشار لـ"إرم نيوز" إلى أن واشنطن تدرك أن المنافسة مع الصين لم تعد مجرد قضية تجارية أو تكنولوجية، بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على حضورها الاستراتيجي في مناطق مختلفة من العالم. لذلك تحمل التحركات الأمريكية في الشرق الأوسط رسالة تتعلق بقدرة واشنطن على إدارة الأزمات الدولية والحفاظ على شبكة تحالفاتها.
ولفت ميديروس في الوقت ذاته إلى أن الصين لا تتعامل مع هذه الرسائل بالطريقة التي قد تتوقعها واشنطن، فبكين بحسب تقديره، لا تقرأ كل أزمة من زاوية الصراع المباشر مع الولايات المتحدة، بل تركز على ما تكشفه هذه الأزمات من حدود القدرة الأمريكية على توزيع الموارد السياسية والعسكرية في عدة مناطق في وقت واحد.
بدوره، اعتبر الباحث السياسي في الشؤون الدولية، حسام شاكر، أن الحرب على إيران تكشف جانبًا مهمًا من طريقة تفكير بكين في الأزمات الدولية، إذ لا تنظر الصين إلى الحرب كملف إقليمي منفصل، وإنما كاختبار لطبيعة السلوك الأمريكي في إدارة التوازنات العالمية.
وبيّن لـ"إرم نيوز" أن القيادة الصينية تتابع كيفية استخدام واشنطن للأدوات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط لأنها تمنحها مؤشرات عملية حول حدود القوة الأمريكية وقدرتها على إدارة أزمات متزامنة في أكثر من منطقة.
ولفت شاكر إلى أن بكين لا تنظر إلى هذه الحرب من زاوية الاصطفاف مع أي طرف، وإنما من زاوية إدارة المخاطر، فالصين تعتمد على استقرار أسواق الطاقة في الخليج، لكنها في الوقت نفسه لا ترى مصلحة في التورط في معادلات الردع العسكرية التي تحكم المنطقة. لهذا تميل سياستها إلى مراقبة تطورات الصراع من مسافة محسوبة، مع التركيز على حماية مصالحها الاقتصادية وضمان استمرار تدفق الطاقة.