بعد مرور سنة على ولاية ترامب الثانية، عاد ملف غرينلاند ليحتل موقعًا بارزًا في سياسته، ليس إحياءً لفكرة جيوسياسية داعبت خيال أسلافه، فحسب، بل كاختبار حاسم لمبدأ السيادة في "القارة العجوز"، ومدى قدرتها على المساهمة في رسم خرائط النفوذ في القطب الشمالي.
منذ مطلع العام لم تهدأ تصريحات ترامب بشأن ضم الجزيرة بـ"اللين أو الشدة"، في مؤشر على أن الخيار العسكري أيضًا مطروح على الطاولة؛ ما دفع الأوروبيين الى إظهار نوع من التضامن مع الدانمارك عبر تصريحات رافضة وإرسال طلائع العسكريين إلى الجزيرة، دونَ أن تفلح مساعيها في التحفيف من حدة تهديدات ترامب.
هذا التحول المفاجئ في السياسة الخارجية الأمريكية التي كانت تنظر إلى الجزيرة كحكاية هامشية عن طموحات قديمة في شراء أرض نائية، لم يعد يقتصر على التهديد والخطاب الرمزي، بل ثمة خطوات عملية، تشهرها واشنطن كأوراق ضغط.
وجاءت آخر الإجراءات العملية حين أعلن ترامب في الـ17 من الشهر الجاري عن فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على واردات ثماني دول أوروبية هي: الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، وفنلندا، بسبب معارضتها لمساعي واشنطن للسيطرة على غرينلاند، على أن ترتفع هذه الرسوم إلى 25% بحلول الأول من حزيران/يونيو إذا لم يتم التوصل لاتفاق لشراء الجزيرة بالكامل.
ويرجح خبراء أن نهج ترامب الضاغط سيستمر، وقد يتحول إلى أداة مقايضة أوسع، فالرئيس الأمريكي، الذي يوصف بـ"رجل الصفقات"، قد يلجأ إلى ربط غرينلاند بملفات أوروبية حساسة أخرى، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا.
وفي هذا السياق، لا يستبعد خبراء أن يلوح ترامب بإبرام اتفاقيات تميل إلى خدمة المصالح الروسية أكثر مما تلبي أولويات بروكسل، مستخدمًا ذلك كورقة ضغط لانتزاع تنازلات أوروبية في قضية غرينلاند.
وبهذا المعنى، ليس مستبعدًا أن تتحول غرينلاند إلى شبكة مساومات متداخلة، فالتهديد الأمريكي المحتمل بإعادة ضبط موقفها من أوكرانيا يمس جوهر الأمن الأوروبي ويضعها أمام خيار بالغ الحساسية، إمّا التمسك بمواقفها السيادية وتحمل كلفة توتر عميق مع واشنطن، وإمّا القبول بتنازلات تكتيكية في ملفات بعيدة جغرافيًّا لكنها ثقيلة إستراتيجيًّا.
ورغم أن فكرة شراء غرينلاند ليست جديدة بالنسبة للأمريكيين، فإن تصعيد الملف تزامنًا مع مرور سنة على ولاية ترامب، يكشف عن تصميم الرئيس الأمريكي على الذهاب بعيدًا حيال هذا الملف، وتطبيق الفكرة على أرض الواقع.
ويرى خبراء أن ترامب مقتنع أن الجزيرة ينبغي أن تخضع لسيطرة واشنطن، معتبرًا، في سياق التبريرات، أن القضية تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، إذ أكد في تصريحات أن الموقع الإستراتيجي للجزيرة يجعلها ضرورة أساسية في مواجهة ما وصفه بـ "تهديدات متزايدة" من روسيا والصين في القطب الشمالي، فضلًا عن حديثه المتزايد عن أهمية غرينلاند لمنظومة الدفاع المتقدمة "القبة الذهبية"، في تكرار لصيغ تربط الجغرافيا الشاسعة للجزيرة بأمن الولايات المتحدة.
يلاحظ خبراء أن خطورة طموحات ترامب بشأن غرينلاند تكمن في كونها تنسف منطق التحالف التقليدي عبر الأطلسي المتواصل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي شهدت تناغمًا أو توافقًا إزاء الكثير من القضايا والأزمات التي شهدها العالم منذ ذلك الحين.
ويوضح الخبراء أن طرح ترامب بضم الجزيرة بهذا الإصرار يعني استهتاره بذلك التحالف، وكذلك بمبادئ حلف شمال الأطلسي، المنظومة الدفاعية الغربية الصامدة منذ العام 1949، فيما انهار، في المقابل، حلف واسو، مطلع تسعينيات القرن الماضي، والذي ضم المعسكر الشرقي أي خصوم الغرب.
وعليه، فإن التصعيد الحالي على طريقة ترامب يمثل اختبارًا غير مسبوق، لمدى قدرة النظام الأوروبي على مواجهة ضغوط شريك تاريخي، دون التفريط في مبادئ السيادة أو التشكيك في جدوى منظومة التحالفات الدفاعية.
وتعكس الأزمة صراعًا أوسع حول القطب الشمالي، الذي بات يشكل إحدى دعامات الأمن الدولي في ظل التغييرات المناخية وذوبان الجليد الذي سيفتح ممرات بحرية ضرورية للأمن في النصف الشمالي من الكرة الارضية، وفقًا لتقارير.
وبينما تتطلع واشنطن لإعادة ترسيم حضورها في القطب الشمالي تحت غطاء الأمن القومي، تسعى أوروبا إلى الاحتفاظ بقدرتها على الدفاع عن مصير أراضيها والاحتفاظ بالسيادة في مواجهة الضغوط الخارجية.
وفي ظل هاتين الرؤيتين المتناقضتين، يلوح وسط المشهد المعقد الدور المتنامي لكل من روسيا والصين في المنطقة القطبية؛ ما يزيد حدّة التنافس الدولي على الطرق البحرية الموارد، إذ تحوي الجزيرة كميات كبيرة من المعادن النادرة، وهو ما يجعل غرينلاند مركزَ ثقل جديدًا في السياسة الدولية وليس مجرد قطعة أرض جليدية بعيدة، مترامية الأطراف بعدد سكان قليل لا يتجاوز ال 60 ألفًا.
من الواضح أن تفاعلات قضية غرينلاند أربكت أوروبا، بحسب خبراء؛ لأنها كشفت، سريعًا حدود الدور الأوروبي، وأظهرت، كذلك، الفجوة العميقة بين السيادة القانونية والقدرة الجيوسياسية الفعلية للقارة العجوز، فالجزيرة، التي تعد إقليميًّا جزءًا من الدنمارك ومرتبطة بالفضاء الأوروبي سياسيًّا وقيميًّا، تقع عمليًّا في قلب المنظومة الأمنية الأمريكية، حيث تحتضن قواعد عسكرية حيوية وتشكّل عنصرًا لا غنى عنه في معادلات الردع والإنذار المبكر في القطب الشمالي.
وفي ظل التصعيد الحالي الذي يتزامن مع انقضاء سنة على ولاية ترامب الثانية، لم تجد أوروبا نفسها أمام تهديد خارجي تقليدي، بل أمام ضغط صادر عن حليف مفترض، يستخدم أدوات التجارة والاقتصاد والتهديد السياسي والذي قد يصل إلى حد استخدام الدبابات، وهو ما يطرح على الاتحاد الأوروبي تساؤلًا مقلقًا، فكيف يمكن له أن يرد على واشنطن دون المساس بأسس العلاقة عبر الأطلسي، ودون كشف هشاشة نفوذه على أرض تتبع لها بالمعنى السياسي والجغرافي.
ويخلص خبراء إلى القول: إن قضية غرينلاند تمثل مرآة قاسية تعكس أزمة القارة التي تمتلك الاقتصاد والمؤسسات والثقل الدبلوماسي والقانوني، لكنها تفتقر إلى القوة الرادعة لصون أرضها في عالم عاد فيه منطق الجغرافيا ليختبر حدود القيم والتحالفات.