بعد مرور عام كامل على تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية تُقرأ في واشنطن بالمنطق ذاته الذي حكمها في عهد إدارة جو بايدن، فبعد أن كانت كييف تقدم سابقًا بوصفها خط الدفاع الأول عن القيم الديمقراطية الغربية، تحولت في خطاب ترامب وإدارته إلى ملف تكلفة في حسابات واشنطن.
فمنذ اليوم الأول لعودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2025، بدا واضحًا أن ترامب لا ينوي التعامل مع الحرب الأوكرانية بوصفها امتدادًا لصراع أيديولوجي، بل كملف اقتصادي ثقيل يضغط على الداخل الأمريكي.
ففي خطاب التنصيب، أعاد الرئيس الأمريكي التأكيد على وعده الانتخابي بإنهاء الحرب، لكن دون الإشارة إلى الشعارات التقليدية حول الدفاع عن الديمقراطية أو مواجهة «العدوان الروسي»، واستبدل هذه الشعارات بلغة أكثر براغماتية تركز على تكلفة الحرب.
وأحد أبرز ملامح عام ترامب الأول كان التلاعب بالأرقام في الحديث عن حجم الدعم الأمريكي لأوكرانيا، حيث كرر الرئيس الأمريكي في أكثر من مناسبة أن واشنطن أنفقت أكثر من 300 مليار دولار على الحرب الروسية الأوكرانية، وهو رقم يفوق بكثير التقديرات الرسمية الأمريكية والأوكرانية، التي تشير إلى مساعدات تتراوح بين 119 و174 مليار دولار منذ بداية الحرب.
ووفقا للمراقبين، فإن هذا التضارب لم يكن مجرد خطأ حسابي، بل أداة سياسية استخدامها ترامب بامتياز، خاصة أن تضخيم الرقم سمح لترامب بتبرير قراراته بتعليق أو إيقاف المساعدات، وتصوير أوكرانيا كدولة استنزفت الخزانة الأمريكية دون مقابل ملموس.
وفي هذا السياق، أوقفت الإدارة الأمريكية شحنات مستقبلية من المساعدات العسكرية بعد اجتماع متوتر مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي.
وبلغ الخطاب الاقتصادي ذروته عندما طرحت فكرة حصول الولايات المتحدة على حصة ضخمة من المعادن النادرة الأوكرانية مقابل المساعدات المقدمة، بقيمة وصلت إلى 500 مليار دولار.
ورغم رفض زيلينسكي العلني للفكرة، معتبرًا أنها ترقى إلى "بيع البلاد"، فإن مجرد طرحها عكس بوضوح العقلية الجديدة في واشنطن، وهي أن الدعم لم يعد مجانيا بل قابل للتحويل إلى أصول ومكاسب اقتصادية.
وخلال العام الأول، تراوحت تصريحات ترامب بين التفاؤل بإبرام صفقة قريبة والتلويح بعقوبات قاسية على روسيا.
ففي فبراير ومارس 2025، فتحت واشنطن قنوات اتصال مباشرة مع الكرملين، وتم إرسال مبعوث خاص إلى موسكو حاملاً تصورًا أوليًا لتسوية نهائية، بالتوازي مع قرار وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا.
وفي مايو ويونيو، تم طرح خطة سلام أمريكية موسعة من 28 نقطة، تضمنت تنازلات إقليمية وقيود على حجم الجيش الأوكراني، هو ما عكس استعداد أمريكي للتخلي عن بعض الخطوط الحمراء السابقة.
ورغم تصعيد ترامب في يوليو بمهلة 50 يومًا لروسيا وتهديده بفرض رسوم جمركية قاسية، إلا أن حديثه لاحقًا عن تبادل الأراضي والحدود أعاد التأكيد على أن أولوية واشنطن باتت إنهاء النزاع بأقل كلفة، لا تحقيق نصر كامل لكييف.
وكشفت استطلاعات الرأي في أوكرانيا عن رفض واسع لأي تسوية تُفرض من الخارج، مع خشية عميقة من أن يؤدي أي اتفاق غير متوازن إلى جولة جديدة من الحرب مستقبلًا.
ويرى الخبراء، أن أوكرانيا في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خرجت من إطار معركة القيم والدفاع عن الديمقراطية إلى منطق إدارة التكلفة والحسابات البحتة، حيث باتت الحرب تُقرأ في العقل الأمريكي باعتبارها فاتورة مفتوحة يجب ضبطها لا مشروع نصر يجب استكماله.
وقال فولوديمير شوماكوف، الدبلوماسي الأوكراني السابق، إن مستقبل أوكرانيا في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يظل غامضا، في ظل سياسات أمريكية لا تقوم على رؤية ثابتة تجاه مسار الحرب.
وأكد في تصريحات لـ«إرم نيوز» أن إدارة ترامب تتعامل مع الملف الأوكراني باعتباره عبئا سياسيا وماليا لا معركة وجود أو صراع قيم، وهو ما ينعكس في الخطاب المتقلب بين دعم مشروط وضغوط غير مباشرة.
وأشار الدبلوماسي الأوكراني السابق إلى أن حديث ترامب المتكرر عن السلام لا يتضمن ضمانات واضحة لأوكرانيا، موضحًا أن الرئيس الأمريكي لا يظهر اهتمامًا حاسمًا بشكل التسوية بقدر اهتمامه بإنهاء الحرب بأقل تكلفة ممكنة على أمريكا.
وأضاف شوماكوف أن هذا النهج يضع كييف أمام خيارات صعبة، في ظل غياب التزامات أمريكية صريحة بحماية المصالح الأوكرانية على المدى الطويل.
وأكد شوماكوف أن مفاتيح إنهاء الحرب لا تزال بيد روسيا، وليس أوكرانيا، مشيرًا إلى أن المسار الدبلوماسي يواجه عراقيل كبيرة بسبب اعتماد موسكو منطق القوة.
وحذر من أن أي سلام لا يضمن سيادة أوكرانيا وأمنها واستقلال قرارها السياسي سيكون سلامًا مؤقتًا، وقد يتحول إلى مصدر أزمة جديدة في المستقبل.
من جانبه، أكد د. ميرزاد حاجم، المحاضر في العلوم السياسية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعامل مع الملف الأوكراني بعقلية تجارية ووضع تكلفة الدعم في صدارة قراراته، وكذلك تحويل الملف الأوكراني من قضية قيم إلى مسألة حسابات.
وأضاف حاجم أن ترامب استخدم فكرة الفاتورة السياسية للضغط على الحلفاء الأوروبيين، مستفيدًا من حالة الانقسام داخل الغرب.
وأشار إلى أن ترامب أدار لعبة شد الحبال مع أوروبا بمرونة واضحة، واستغل المخاوف من روسيا وحالة الاستقطاب السياسي، بما مكنه من تحقيق مكاسب متعددة في وقت واحد.
وشدد على أن إدارة ترامب للأزمة الأوكرانية تعكس قدرة على قراءة التناقضات الدولية واستغلالها، محذرًا من أن استمرار هذا النهج يجعل الحرب عبئا مفتوحا ويضع مستقبل الاستقرار في أوكرانيا أمام تحديات متزايدة.