تقف أوكرانيا اليوم عند تقاطع حاد بين وعود الغرب وواقع الحرب الطويلة، بعد سنوات من القتال والاستنزاف، خاصة وأن السؤال المطروح لم يعد عن حجم الدعم العسكري والمالي، بل عن طبيعة هذا الدعم وحدوده.
وتبدو العلاقة بين أوكرانيا والغرب الآن أكثر تعقيدًا من مجرد شراكة عسكرية، خاصة وأن أوروبا، التي ترى في كييف خط الدفاع الأول عن أمنها، تواصل تقديم دعم واسع يشمل مساعدات مالية ضخمة وضمانات أمنية لما بعد وقف إطلاق النار، لكنها في الوقت نفسه تتحاشى منح أوكرانيا مظلة أمنية كاملة على غرار عضوية "الناتو".
في المقابل، يتصاعد الضغط الأمريكي على القيادة الأوكرانية، وعكست تصريحات الرئيس دونالد ترامب الأخيرة توجهًا واضحًا نحو تسوية سريعة، مع تحميل كييف مسؤولية تعثر المفاوضات، في إشارة إلى رغبة واشنطن في إنهاء الحرب بأقل كلفة ممكنة، مع دفع أوروبا لتحمل العبء الأكبر.
وفي الوقت ذاته، تراقب موسكو هذا المشهد باعتباره دليلاً على حدود التماسك الغربي، والذي يتزامن مع التقدم العسكري الروسي خلال 2025، إلى جانب التشكيك في جدوى الضمانات الأمنية الغربية.
ووفقًا للمراقبين، تبدو علاقة كييف بالغرب أقرب إلى تحالف بقاء مشروط، ويمكن وصفها بالدعم الحقيقي المحدود بسقوف سياسية واستراتيجية تهدف إلى منع الانهيار أكثر من صناعة نصر، أو ترك أوكرانيا عالقة بين حرب لم تحسم وسلام لم يولد بعد.
ورأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة موسكو د. نزار بوش، أن "المشهد الحالي يعكس طبيعة التحالف الغربي مع أوكرانيا باعتباره تحالف دعم مشروط أكثر منه مسارًا مفتوحًا نحو الحسم"، مشيرًا إلى أن روسيا تدرك جيدًا حجم الخسائر التي تتكبدها الجبهة الأوكرانية، لكنها ترى في استمرار الدعم الغربي محاولة لإطالة أمد معركة البقاء لا أكثر.
وأوضح بوش في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن "موسكو ترفض أي وقف لإطلاق النار دون شروط سياسية وأمنية واضحة، في مقدمتها حياد أوكرانيا والاعتراف بالأمر الواقع على الجبهة، وهو ما يكشف في المقابل حدود القدرة الغربية على تحويل الدعم العسكري إلى مكاسب سياسية حقيقية لكييف".
وأشار إلى أن "استمرار الغرب في دعم أوكرانيا دون الانخراط المباشر في المواجهة يعكس رغبة في إدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة، مع الاعتماد على القوات الأوكرانية كخط مواجهة أول"، لافتًا إلى أن هذا النهج يضع كييف في موقع معركة البقاء لا معركة الحسم.
وأضاف بوش، أن "الرهان الأوروبي على استنزاف روسيا مع مرور الوقت يمثل قراءة غير دقيقة للواقع، في ظل امتلاك موسكو زمام المبادرة ميدانيًا وقدرتها على التكيف اقتصاديًا، ما يقلل من فرص نجاح استراتيجية الدعم المفتوح".
واعتبر أن "الدعم الغربي، رغم استمراره، يظل موجّهًا لمنع انهيار أوكرانيا وليس لتمكينها من تحقيق نصر حاسم، وأن هذا الإطار يعكس طبيعة التحالف القائم الذي يوازن بين دعم كييف والحفاظ على المصالح الغربية دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع روسيا".
بدوره، رأى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوكرانية محمد العروقي، أن "ما يجري على الساحة الأوروبية-الأوكرانية يعكس تداخلًا بين تحالف الدعم ومعركة البقاء"، مشيرًا إلى أن دعم أوكرانيا يُنظر إليه أوروبيًا باعتباره ضرورة استراتيجية وليس خيارًا سياسيًا مؤقتًا.
وقال العروقي في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، إن "أوروبا ترى في أوكرانيا خط الدفاع الأول عن القارة، وهو ما يدفعها إلى الاستمرار في دعم كييف انطلاقًا من قناعة بأن مواجهة روسيا داخل الأراضي الأوكرانية أقل كلفة من مواجهتها داخل الحدود الأوروبية".
وأضاف أن "الأوكرانيين يتبنون التصور نفسه، إذ ينظرون إلى الحرب باعتبارها معركة وجود، ليس فقط لأوكرانيا كدولة، بل لدورها كحاجز أمني متقدم يمنع تمدد النفوذ الروسي أو فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة داخل القارة الأوروبية".
وأوضح العروقي، أن "تقاطع المخاوف الأمنية مع الحسابات الجيوسياسية أدى إلى نشوء تحالف يقوم على دعم أوكرانيا من أجل بقائها خطًا دفاعيًا متقدمًا، وفي الوقت نفسه ضمانة أمنية مباشرة لأوروبا".
ولفت إلى أن "أوروبا لا تزال تسعى إلى تثبيت دور سياسي مستقل في مسار الحرب، خاصة فيما يتعلق بالمفاوضات الجارية أو المحتملة"، مشيرًا إلى معطيات تفيد بإمكانية تعيين مبعوث أوروبي خاص للمشاركة في أي مفاوضات سلام مقبلة.
وأشار العروقي، إلى أن "هذا التحرك يهدف إلى تبديد المخاوف الأوروبية من التوصل إلى اتفاق بين روسيا وأمريكا دون إشراك أوروبا أو مراعاة تداعياته على أمن القارة، خاصة وأن جوهر التحالف يتمثل في الجمع بين دعم أوكرانيا والحفاظ على أمن أوروبا وتماسكها".
وقال إن "استمرار دعم أوكرانيا بات مرتبطًا بشكل وثيق بمستقبل الاتحاد الأوروبي ودوره كقوة سياسية وأمنية فاعلة، وإن مصير أوكرانيا وأوروبا أصبح مترابطًا إلى حد يصعب معه الفصل بينهما".