logo
العالم

كيف تؤثر قاذفات "Tu-160M" في حسابات الحرب الروسية الأوكرانية؟

قاذفات Tu-160Mالمصدر: أ ف ب

يبدو أن ساحة سماء الحرب الأوكرانية تتحول إلى مسرح رسائل استراتيجية تتجاوز حدود الجبهات المباشرة، خاصة مع إعلان موسكو تسلم قاذفتين استراتيجيتين من طراز "Tu-160M". 

أخبار ذات علاقة

قاذفة روسية

قاذفات روسية نووية فوق بحري النروج وبارنتس وسط مراقبة دولية

وتعد هذه القاذفات إحدى أكثر رموز القوة الجوية الروسية، وأثارت حالة من الجدل خلال الساعات الماضية، بسبب توقيتها، لا سيما أن موسكو لا تزال تسعى إلى تثبيت معادلة الردع من مسافات بعيدة، بعيدًا عن استنزاف الاشتباكات اليومية.

إعلان وزارة الدفاع الروسية دخول القاذفتين الخدمة العملياتية جاء بعد عام حافل بالضغوط العسكرية والاقتصادية، دون توضيح ما إذا كانت الطائرات جديدة كليا أم نتاج تحديث شامل لهياكل قديمة.

وتعود جذور البرنامج إلى عام 2018، عندما وقّعت روسيا عقدًا لشراء 10 قاذفات "Tu-160M" بقيمة تقدر بنحو 160 مليار روبل، ضمن خطة طموحة كانت تستهدف في بدايتها إنتاج ما يصل إلى 50 طائرة.

ومع ذلك فإن الواقع الصناعي والعقوبات والقيود التكنولوجية فرضت تقليص الطموحات، وأعادت صياغة المشروع باعتباره أداة استدامة للقوة الاستراتيجية لا توسعًا كميًا واسعًا.

وتأجل دخول النسخة المحدثة الخدمة عدة مرات، رغم تصريحات رسمية سابقة كانت تراهن على تسريع الجدول الزمني، ولم تحقق موسكو اختراقًا فعليًا إلا في يناير 2022، مع أول رحلة تجريبية لطائرة Tu-160M2 حديثة الصنع، وهي أول قاذفة من هذا الطراز تنتج منذ تسعينيات القرن الماضي.

في السياق العسكري، تعزّز "Tu-160M" موقعها كمنصة ضرب بعيدة المدى قادرة على حمل صواريخ كروز، وتنفيذ مهام من عمق الأراضي الروسية، ما يقلص المخاطر التشغيلية ويمنح موسكو مرونة أكبر في إدارة التصعيد.

ووفقا للمراقبين، فإن هذه القاذفة لا تستهدف تحقيق حسم سريع، بقدر ما تدعم استراتيجية النفس الطويل، عبر استنزاف البنية التحتية والضغط المتواصل دون انخراط مباشر.

ويرى خبراء أن عودة قاذفات "Tu-160M" إلى الواجهة تعكس توجها روسيا نحو تعزيز الردع الاستراتيجي وإدارة الصراع الأوكراني من مسافات بعيدة وبكلفة أقل.

وذكر الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن هذه القاذفات تمنح موسكو قدرة على توجيه ضربات دقيقة من العمق دون الانخراط المباشر، مع الحفاظ على هامش تصعيد محسوب وغموض استراتيجي يربك حسابات الخصوم.

وأشاروا إلى أن دور "Tu-160M" يندرج ضمن حرب طويلة النفس تهدف إلى استنزاف أوكرانيا ورفع كلفة الدعم الغربي، أكثر من السعي إلى حسم عسكري سريع.

ميزة استراتيجية

الخبير العسكري، العميد نضال زهوي، قال إن قاذفات "Tu-160M" تمثل أداة محورية في توسيع خيارات موسكو لتنفيذ ضربات بعيدة المدى، خاصة تلك التي تنطلق من عمق الأراضي الروسية بعيدا عن خطوط الاشتباك المباشر.

وكشف زهوي في تصريح لـ"إرم نيوز" أن هذا النمط من التشغيل يمنح القاذفات ميزة استراتيجية واضحة، إذ تعمل من مناطق آمنة نسبيا خارج نطاق التهديد المباشر للدفاعات الجوية، ما يقلل من المخاطر العملياتية المرتبطة باستخدامها.

وأشار إلى أن أهمية هذه القاذفات لا تقتصر على دورها الهجومي بل تعكس قدرة روسيا على الحفاظ على أدوات الردع الاستراتيجي رغم الخسائر والتحديات التي فرضتها الحرب.

ولفت الخبير العسكري إلى أن قدرة "Tu-160M" على إطلاق صواريخها من داخل الأراضي الروسية تجعلها بعيدة عن أي رد عسكري مباشر، ما يسمح لموسكو بالحفاظ على زخم عملياتي طويل الأمد حتى في ظل الضغوط الميدانية.

وأوضح أن عودة هذه القاذفات تعزز قدرة روسيا على إطالة أمد الصراع ضمن إطار دفاع استراتيجي واسع، كما تعيد إلى الواجهة البعد الرمزي للثالوث النووي الروسي.

وأضاف العميد زهوي أن الطائرة رغم قدم تصميمها، خضعت لتحديثات واسعة شملت أنظمة رادارية وإلكترونية ومنظومات قيادة وسيطرة أكثر تطورا، ما أعاد دمجها بفاعلية في العقيدة العسكرية الروسية.

وأكد زهوي أن "Tu-160M" تتفوق على غيرها من القاذفات من حيث المدى والحمولة، إذ تمتلك قدرة عالية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى باستخدام صواريخ كبيرة ذات طابع استراتيجي، ما يجعلها منصة ردع أكثر من كونها أداة اشتباك يومي.

إعادة ضبط أدوات الردع

من جانبه، أكد الباحث الاستراتيجي، هشام معتضد، أن عودة قاذفات "Tu-160M" لا يمكن قراءتها في إطار استعراض القوة فقط، بل ضمن مسعى روسي لإعادة ضبط أدوات الردع والضغط العملياتي في الحرب الأوكرانية.

وقال معتضد في تصريحات لـ"إرم نيوز" إن موسكو تسعى من خلال هذه القاذفات إلى تعويض محدودية المناورة البرية بتفوق ناري بعيد المدى، مع تقليص كلفة التصعيد المباشر. 

أخبار ذات علاقة

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس

"تصعيد واضح".. الاتحاد الأوروبي يدين إطلاق روسيا صاروخا على أوكرانيا

وأشار معتضد إلى أن "Tu-160M" تتيح لروسيا تنفيذ ضربات من العمق دون التورط في احتكاك مباشر، عبر إطلاق صواريخ كروز من أجواء آمنة نسبيا، ما يحد من التعرض للدفاعات الجوية ويقلص مخاطر التصعيد مع الناتو.

وأضاف الباحث الاستراتيجي أن هذا النهج ينسجم مع عقيدة روسية تقوم على الاستنزاف طويل الأمد مع الحفاظ على هامش سياسي محسوب.

وأوضح أن هذه القاذفات تعيد إدخال البعد النووي الاستراتيجي إلى خلفية الصراع دون دفعه إلى الواجهة، مستفيدة من الغموض المرتبط بطبيعة حمولتها، سواء كانت تقليدية أو نووية.

ولفت معتضد إلى أن هذا الغموض يفرض على أوكرانيا وداعميها اعتماد حسابات أكثر حذرا عند تقييم نوايا موسكو. 

أخبار ذات علاقة

قاذفة صواريخ باليستية روسية من طراز "يارس"

لقاء "السحاب الصاروخي".. روسيا تنشر "أوريشنيك" وألمانيا تلجأ لـ"آرو3"

وعلى المستوى العملياتي، أكد معتضد أن "Tu-160M" تعزز قدرة روسيا على استهداف البنية التحتية الحيوية بشكل منهجي، وهو ما يضعف قدرة أوكرانيا على إدارة الحرب على المدى الطويل، ويرفع كلفة الدعم الغربي.

وأضاف أن تحديث هذه القاذفات يعكس رهان موسكو على الاستدامة لا المغامرة، عبر تعظيم العائد العسكري ضمن قيود العقوبات.

وأشار إلى أن الظهور العلني لهذه القاذفات يحمل رسائل مزدوجة، داخلية لطمأنة الرأي العام الروسي، وخارجية موجهة إلى الغرب كإشارة ردع محسوبة.

وشدد معتضد في الوقت ذاته على أن هذه القاذفات لا تغيّر ميزان القوى جذريًا، بل تبقى جزءًا من منظومة أوسع تعتمد على تكامل القدرات العسكرية والاستخباراتية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC