كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، اليوم الأربعاء، أن إن الاضطرابات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي جراء الحرب في الشرق الأوسط هي بالضبط نوع سيناريو الطوارئ الذي لطالما استعدت له الصين.
وذكرت الصحيفة، في تقرير لها، أنه خشية أن يُلحق الصراع ضررًا بالغًا باقتصادها عبر قطع إمدادات النفط، أنفقت بكين ببذخ للحد من حاجتها للاستيراد، مع بناء مخزونات ضخمة وتنويع مصادر الطاقة لديها.
وأشارت الصحيفة إلى أن "الحرب مع إيران حققت الكثير من تلك المخاوف، إذ مثلت أكبر اختبار حتى الآن لجهود الصين في تعزيز اقتصادها في مواجهة ما تعتبره سلوكاً متهوراً من جانب الولايات المتحدة. وحتى الآن، تتجاوز بكين هذه الأزمة بنجاح".
وسَعَت إيران إلى قطع إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي يربط منتجين للنفط بالدول المستوردة للنفط في آسيا وخارجها.
ورغم أن الصين أكبر مستورد للنفط في العالم من حيث إجمالي البراميل، إلا أنها أقل اعتماداً على مضيق هرمز في مجال الطاقة مقارنةً باقتصادات أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية.
وكانت حماية الصين من صدمات الطاقة أولوية قصوى للرئيس شي جين بينغ. وتشمل العناصر الأساسية لاستراتيجيته زيادة استخدام السيارات الكهربائية كبديل للسيارات التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود، مع زيادة ضخ النفط الخام من داخل الصين في الوقت نفسه.
وفي الوقت نفسه، ساهم تعميق الشراكة في مجال الطاقة مع روسيا في الحد من اعتماد بكين على الشرق الأوسط، بحسب الصحيفة.
وفي الإطار ذاته، راكمت الصين مخزونات نفطية ضخمة، من المرجح أن يبلغ مجموعها أكثر من 1.2 مليار برميل، وهو ما يكفي لتغطية وارداتها لمدة 100 يوم أو أكثر.
وفي إشارة إلى استمرار بكين في التخزين استعداداً للحرب الإيرانية، أظهرت بيانات الجمارك الصادرة، يوم الثلاثاء، أن واردات الصين من النفط الخام ارتفعت بنسبة 16% تقريباً في أول شهرين من عام 2026 مقارنة بالعام السابق.
وقال ميشال ميدان الباحث في أنظمة الطاقة الصينية في "معهد أكسفورد لدراسات الطاقة" معلقاً: "لقد منحتهم استراتيجيتهم بالفعل هامش أمان هائل".
ونوهت الصحيفة إلى أن "ذلك لا يعني أن بكين راضية عن انقطاع الإمدادات. فكلما طال أمد النزاع وتعطلت الشحنات عبر مضيق هرمز، زادت الخسائر على بلد يعاني اقتصاده أصلاً".
ولفتت إلى أنه "على المدى القريب، قد تتعرض الشركات الصناعية والكيميائية لضغوط نتيجة نقص الغاز الطبيعي المسال".
واجتمع مسؤولون من مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى - التي تضم الولايات المتحدة وكندا وفرنسا - يوم الاثنين لمناقشة إمكانية سحب بعض الاحتياطيات.
وبحسب الصحيفة، فإن "من أهم مبادئ فلسفة الصين في مجال أمن الطاقة إنتاج أكبر قدر ممكن من احتياجاتها من الموارد الموجودة داخل حدودها".
ونظراً لمحدودية احتياطيات الصين من النفط والغاز وارتفاع تكلفة استخراجها، فقد أولت الصين الأولوية لاستخدام الكهرباء قدر الإمكان، وذلك من خلال استبدال السيارات التي تعمل بالبنزين بسيارات كهربائية.
وتمتلك الصين احتياطيات محلية وفيرة من الفحم لتوليد الكهرباء، فضلاً عن سلسلة إمداد واسعة النطاق لتصنيع الألواح الشمسية وتوربينات الرياح. وتساعدها أكبر شبكة كهرباء في العالم على ربط شبكة الكهرباء الخاصة بها.
وتُعدّ استراتيجية الصين لأمن الطاقة جانبًا من حملة أوسع نطاقًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي قدر الإمكان، وذلك للتحصّن ضدّ تزايد التقلبات العالمية.
فمن الروبوتات المتطورة إلى الزراعة، يُفضّل قادة الحزب بشكل متزايد إنتاج ما يحتاجونه كوسيلة للتحوّط ضدّ مخاطر الأمن العالمي، حتى عندما يكون بالإمكان الحصول على السلع بتكلفة أقلّ عبر التجارة الدولية.
وبينما يُتوقع أن يبلغ الطلب الصيني على النفط ذروته خلال العامين المقبلين، فمن المرجح أن يستقر استهلاكه بدلاً من أن ينخفض بشكل حاد حتى نهاية العقد على الأقل، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. وهذا يعني أنها ستظل تعتمد على الشرق الأوسط في المستقبل المنظور.
وستحتاج الصين إلى تعزيز علاقاتها مع القيادة الجديدة في إيران، الشريك الإقليمي الرئيسي الذي تعمل على توطيد علاقاتها معه منذ عقود.
وانتقد وزير الخارجية الصيني الهجمات على إيران في الأيام الأخيرة ودعا إلى وقف إطلاق النار، إلا أن الحكومة الصينية لم تُبدِ أي مؤشر يُذكر على أنها ستقدم لطهران أكثر من مجرد دعمٍ لفظي.
وصرح متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، يوم الاثنين، بأن الصين ستتخذ إجراءات لحماية أمنها الطاقي، لكنه لم يوضح ما إذا كانت ستفرج عن أي من احتياطياتها النفطية للمساعدة في استقرار سوق النفط.
وتقول الصحيفة إنه "بعيدًا عن الشرق الأوسط، قد تجعل الحرب الإيرانية روسيا موردًا أكبر للطاقة إلى الصين، على سبيل المثال من خلال تسريع إنشاء خط أنابيب جديد للغاز الطبيعي يربط بين البلدين".
يُعرف هذا المشروع باسم "قوة سيبيريا 2"، وقد نوقش طويلًا، مما يزيد من خطر اعتماد بكين المفرط على روسيا في مجال الطاقة.
لكن المحللين يقولون إنه إذا استمر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، فقد يتراجع هذا القلق أمام ضمان الصين لتأمين جميع احتياجاتها من الغاز.
ورأى نيل بيفريدج المتخصص في قطاع الطاقة الصيني لدى شركة "بيرنشتاين" للأبحاث أن "الأهم من ذلك، أن الهجوم على إيران لن يؤدي إلا إلى تعزيز مساعي الصين لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة"، مضيفاً: "أعتقد أنهم سيشعرون بأنهم على صواب".