الشرطة الإيرانية تعلن عن حملة اعتقالات واسعة للمشاركين في التظاهرات
يتحرك ملف غرينلاند اليوم في مناخ توتر فعلي، تحكمه حسابات قوة مباشرة، وتغذّيه مقاربة أمريكية لا تُخفي استعدادها للذهاب بعيداً في فرض وقائع جديدة.
التطورات حتى الآن لا تشير إلى مسار توافقي، بقدر ما تدلل على انتقال واضح نحو مرحلة اختبار صريح لحدود السيادة، والتحالف، والقدرة على الاعتراض داخل المعسكر الغربي.
وفي قلب هذا المشهد تقف الولايات المتحدة التي تتعامل مع غرينلاند باعتبارها ملفاً استراتيجياً عاجلاً، دون أن تكون حتى مسألة سياسية قابلة للتأجيل أو المساومة البطيئة.
وأشارت مصادر أمريكية دبلوماسية مطلعة، لـ"إرم نيوز"، إلى أن الملف مُدرج حالياً ضمن تصور أمني–جيوسياسي شامل، يربط بين القطب الشمالي، والتنافس مع روسيا والصين، وإعادة توزيع مواقع النفوذ في شمال الأطلسي.
وقالت المصادر إن واشنطن تنظر إلى غرينلاند كنقطة تشغيل مركزية في منظومة الأمن القومي الأمريكي، تتجاوز بعدها الجغرافي المحدود؛ فالجزيرة، بحسب هذا التقدير، تشكّل حلقة حيوية في شبكة الإنذار المبكر، ومراقبة التحركات الجوية والبحرية في القطب الشمالي، وضبط المسارات الجديدة التي تفتحها التغيرات المناخية أمام الملاحة الدولية.
وأوضح المصدر أن النقاش داخل الإدارة يدور حول "الضرورة" الاستراتيجية التي تنقلها غرينلاند؛ من هذا المنطلق، تُدرَس الخيارات على أساس فعاليتها وقدرتها على إنتاج سيطرة مستقرة طويلة الأمد.
وأكد أنه في هذا السياق، يُطرح خيار مبدئي يتمثل بتوسيع الوجود العسكري القائم، وتعزيز البنية التحتية الدفاعية، وربط الجزيرة بشكل أوثق بالمنظومة الأمريكية عبر اتفاقات أمنية واقتصادية عميقة، وذلك بالتوازي مع خيارات أخرى مطروحة تتراوح بين احتمالية شراء الجزيرة وصولاً إلى تدخل عسكري مباشر، وإن كان الأخير مستبعداً خلال الفترة الحالية.
أكدت المصادر الأمريكية، لـ"إرم نيوز"، أن الخيار الاقتصادي لا يغيب عن الطاولة، فهناك نقاش جدي داخل الدوائر الأمريكية حول آليات مالية مباشرة، تشمل مقترحات لتعويض سكان غرينلاند مالياً مقابل تغيير الوضع السيادي، أو مقابل ترتيبات طويلة الأمد تمنح واشنطن صلاحيات واسعة في إدارة الموارد والبنية التحتية؛ جميع هذه الطروحات تُناقش كأدوات ضغط سياسية واقتصادية.
ولا يستبعد المصدر الأمريكي أي مسار طالما أنه يحقق الهدف المركزي المتمثل بمنع تحول غرينلاند إلى فراغ استراتيجي أو نقطة نفوذ لقوى منافسة؛ في هذا الإطار، يُنظر إلى اعتراضات الحلفاء على أنها جزء من المشهد السياسي، وليس كونها عائقاً حاسماً أمام اتخاذ القرار.
في المقابل، تأخذ الدنمارك موقفاً تصادمياً واضحاً مع الطروحات الأمريكية، حيث أفادت مصادر أوروبية لـ"إرم نيوز"، بأن كوبنهاغن ترفض أي نقاش يمس السيادة، محذرة من أن استمرار الضغط الأمريكي سيهدد بتصدع داخل الناتو.
وكشفت المصادر أن مسؤولين دنماركيين عبّروا في اتصالات دبلوماسية عن قناعة بأن التعامل مع غرينلاند بهذه الطريقة يفتح سابقة خطرة داخل التحالف، حيث تتحول دولة عضو إلى هدف ضغط مباشر من شريك رئيسي.
هذا الموقف يُعتبر في كوبنهاغن كدفاع عن توازنات التحالف نفسها، فالدنمارك ترى أن أي رضوخ سيادي سيضعف موقعها داخل أوروبا، ويفتح الباب أمام ضغوط مشابهة في ملفات أخرى، ويعيد تعريف العلاقة مع واشنطن على أسس غير متكافئة.
أعلنت القيادات المحلية في غرينلاند رفضها القاطع لأي مساس بالسيادة أو أي ترتيبات تُفرض من الخارج، مع إدراك في الوقت نفسه لميزان القوة غير المتكافئ؛ فالنقاش السياسي هناك يتخذ طابعاً عملياً، يركّز على حماية القرار المحلي، وإدارة الموارد، وتجنّب الانجرار إلى صفقات تُفقد الإقليم قدرته على التحكم بمصيره.
المصادر الأوروبية أشارت إلى وجود مخاوف حقيقية في غرينلاند من أن تتحول الجزيرة إلى ساحة اختبار لإرادات القوى الكبرى، مع هامش محدود للمناورة السياسية؛ هذا القلق يزداد في ظل طرح خيارات مالية مباشرة من واشنطن، تُنظر إليها كمحاولة لتجاوز الإرادة السياسية عبر أدوات اقتصادية.
على مستوى حلف الناتو، لفتت مصادر مطلعة إلى وجود قلق متزايد من أن يؤدي التصعيد الأمريكي إلى إضعاف الثقة داخل التحالف. كون غرينلاند، قد تتحول ضمن هذا السياق إلى ملف كاشف لاختلالات أعمق في آلية اتخاذ القرار داخل الناتو، وحدود التضامن عندما تتعارض المصالح الاستراتيجية مع السيادة الوطنية.

وأعتبر الباحث الفرنسي المتخصص في الجغرافيا السياسية والتحولات الاستراتيجية الأوروبية، جان-بيير لوران، أن ما تواجهه غرينلاند اليوم لا يمكن فصله عن تحوّل أعمق في السلوك الأمريكي داخل التحالفات الغربية، حيث بات منطق القوة يُمارس بشكل مباشر حتى تجاه شركاء محميين تاريخياً بسقف التضامن الأطلسي.
وأضاف لوران، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن الطروحات الأمريكية المتداولة، سواء تعلقت بخيارات مالية مباشرة أو بفرض ترتيبات أمنية قسرية، تشير إلى انتقال واضح من منطق الشراكة إلى منطق الإملاء الاستراتيجي.
لوران يلفت إلى أن خطورة اللحظة تكمن في إدخال هذه الخيارات إلى المجال العلني والرسمي دون اعتبار للكلفة السياسية داخل أوروبا. هذا السلوك، بحسب تحليله، يُضعف موقع الدول الأوروبية الصغيرة داخل التحالف، ويحوّل مفهوم السيادة إلى متغير قابل للضغط حين تتعارض مع أولويات واشنطن.
ويضيف أن التحذيرات الدنماركية من أثر هذا الملف على تماسك حلف الناتو تعبّر عن قلق حقيقي، فالتعامل مع دولة عضو واعتبارها عقبة أمام هدف استراتيجي أمريكي يفتح شرخاً في البنية السياسية للتحالف.
من جهته، قال المحلل البريطاني في السياسات الأمنية والتوازنات الأطلسية، ريتشارد كولينز، إن التصعيد الأمريكي حول غرينلاند كنتيجة مباشرة لتحوّل القطب الشمالي إلى مسرح تنافس فعلي.
وأشار كولينز، لـ"إرم نيوز"، إلى أن هذا التحول لا ينطلق من تبرير السلوك الأمريكي، لكنه يضعه في سياق ضيق الخيارات المتاحة أمام واشنطن في ظل تصاعد الحضور الروسي والصيني في المنطقة.
وأشار كولينز إلى أن الإدارة الأمريكية تتصرف وفق منطق استباقي، يسعى إلى تثبيت السيطرة قبل أن تتحول غرينلاند إلى نقطة اختراق جيوسياسي. هذا المنطق برأيه، يفسر رفع السقف إلى حدود غير مألوفة داخل التحالف الغربي، بما في ذلك طرح سيناريوهات مالية مباشرة أو إعادة هندسة العلاقة السيادية مع الإقليم.
وحذر المحلل السياسي من أن هذا الأسلوب يحمل مخاطر سياسية حقيقية، فالدفع باتجاه فرض وقائع بالقوة السياسية أو الاقتصادية قد يحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنه يترك آثاراً تآكلية على الثقة داخل التحالف.
وشدد على أن الإشكالية تكمن في طريقة ممارسة هدف واشنطن، حيث تُدار المصالح الأمنية بمعزل عن آليات الإجماع التي شكّلت أساس الاستقرار الأطلسي لعقود.
وختم كولينز أن غرينلاند تمثل اختباراً لقدرة الغرب على إدارة تنافس داخلي من دون انزلاق إلى صراع بين الحلفاء أنفسهم. نجاح هذا الاختبار أو فشله، سيحدد شكل التحالفات الغربية في المناطق الحساسة خلال السنوات المقبلة.