أعادت تصريحات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضرورة وضع غرينلاند تحت السيطرة الأمريكية تسليط الضوء على سؤال بالغ الحساسية داخل الأوساط الغربية؛ ماذا لو غابت الولايات المتحدة عن حلف شمال الأطلسي؟ أو بشكل أدق، كيف سيبدو ميزان القوة داخل الناتو في حال تصدعت العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين؟
التحذير الصادر عن رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن، بأن "كل شيء سيتوقف" إذا هاجمت الولايات المتحدة دولة عضواً في الناتو، لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل إشارة إلى هشاشة غير مسبوقة في بنية التحالف الذي قام لعقود على افتراض ثابت: أن القوة الأمريكية هي الضامن النهائي للأمن الجماعي، بحسب "نيوزويك".
منذ تأسيس الناتو، شكّلت الولايات المتحدة القوة العسكرية المهيمنة بلا منازع، سواء من حيث الإنفاق الدفاعي أو القدرات النوعية.
لا تمتلك واشنطن فقط أكبر ميزانية عسكرية في العالم، بل تحتفظ أيضاً بأوسع شبكة قواعد وانتشار عسكري عالمي، ما يجعلها لاعباً لا يمكن تعويضه بسهولة داخل الحلف.
في المجال الجوي، يتجلى هذا التفوق بوضوح؛ إذ تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 1400 طائرة قتالية متقدمة، تشمل قاذفات استراتيجية قادرة على حمل أسلحة نووية، وطائرات حرب إلكترونية، ومروحيات هجومية.
بالمقارنة، تمتلك بريطانيا نحو 210 طائرات عاملة، وفرنسا حوالي 283، بينما تمتلك تركيا قرابة 300 طائرة، في حين لا يتجاوز أسطول بولندا الجوي 85 طائرة.
ولا يقتصر التفوق الأمريكي على الأعداد، بل يمتد إلى الجودة، والتكامل بين أنظمة القيادة والسيطرة، والقدرة على تنفيذ عمليات معقدة بعيدة المدى، وهي عناصر يصعب على الدول الأوروبية مجتمعة تعويضها في المدى المنظور.
على المستوى البري، يمتلك الجيش الأمريكي قرابة نصف مليون جندي، مدعومين بأكثر من 2600 دبابة أبرامز، وآلاف المركبات المدرعة.
في المقابل، تعاني جيوش أوروبية رئيسية من تقليص مستمر في الأعداد والجاهزية. فالجيش البريطاني، الذي وصل إلى أدنى مستوياته منذ قرون، يمتلك ما يزيد قليلاً على 200 دبابة تشالنجر 2، فيما يمتلك الجيش الفرنسي عدداً مشابهاً من دبابات لوكلير.
بولندا تمثل استثناءً نسبياً داخل أوروبا، إذ ضاعفت إنفاقها الدفاعي ورفعت عدد دباباتها إلى أكثر من 660 دبابة، لكنها تظل قوة إقليمية لا يمكنها بمفردها سد الفراغ الأمريكي.
بحرياً، تبدو الفجوة أكثر وضوحاً. فالولايات المتحدة تمتلك 11 حاملة طائرات، و65 غواصة متطورة، معظمها نووي، إضافة إلى عشرات المدمرات والطرادات.
في المقابل، تمتلك بريطانيا حاملتي طائرات فقط، فيما لا تمتلك أي دولة أوروبية أخرى حاملة طائرات قادرة على تنفيذ عمليات عالمية مستقلة. أما كندا، فلا تملك سوى أربع غواصات تقليدية.
الاختلال الأكبر بين الولايات المتحدة وبقية دول الناتو يتمثل في الأسلحة النووية. فالولايات المتحدة، إلى جانب روسيا، تمتلك نحو 90% من الترسانة النووية العالمية.
وتشمل هذه الترسانة صواريخ عابرة للقارات، وغواصات نووية، وقاذفات استراتيجية قادرة على تدمير مدن بأكملها.
داخل الناتو، لا تمتلك السلاح النووي سوى بريطانيا وفرنسا، وبأعداد محدودة نسبياً، لا تسمح بتوفير مظلة ردع شاملة على مستوى الحلف من دون الدعم الأمريكي.
دون الولايات المتحدة، يبقى حلف الناتو تجمعاً عسكرياً كبيراً على الورق، لكنه يفتقر إلى العمود الفقري الاستراتيجي الذي يمنحه القدرة على الردع الشامل وإدارة الأزمات الكبرى.
وبينما تسعى الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي، فإن سد الفجوة الأمريكية يتطلب سنوات طويلة، وإرادة سياسية موحدة، وهي شروط لا تبدو متوافرة حتى الآن.
في المحصلة، أي تصدع حقيقي بين واشنطن وحلفائها لن يضعف الناتو فحسب، بل سيعيد رسم خريطة الأمن العالمي برمّتها.