بدعوتها المعارضة الفنزويلية إلى حوار سياسي يفضي إلى تفاهمات واسعة، تكون ديلسي رودريغيز ثبَّتت نفسها كرئيسة بالوكالة لمدّة 6 أشهر أخرى، وكقائدة للمرحلة الانتقالية في البلاد إلى حين إجراء الانتخابات العامة.
فيما يرى مراقبون أنّ الخطوة تستهدف أساسًا الرضا الأمريكي، والذي تعتبره "كاراكاس" جواز سفر لاستعادة مخزون الذهب المحتجز في البنك المركزي البريطاني، والمقدر حاليًّا بأكثر من 3 مليارات دولار.
وفي دعوة لافتة عبر التلفزيون الفنزويلي حثت رودريغيز المعارضة إلى إجراء حوار سياسيّ لصالح الشعب الفنزويلي، مشيرة إلى ضرورة تجاوز الخلافات السياسية والحزبية عندما يتعلق الأمر بالسلم في فنزويلا.
ويؤكد المراقبون في فنزويلا أنَّ الدَّعوةَ تُعتبر قطيعة سياسية جديدة مع نهج الرئيس نيكولاس مادورو ومع خطابه السياسي حيث كان يصف المعارضة بـ"الخونة" يعتبرها جميعًا "ملحقة بالولايات المتحدة الأمريكية" وبـ"أعداء فنزويلا في الخارج".
وطلبت رودريغيز من رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) خورخي رودريغيز، عقد اجتماعات مع ممثلين عن مختلف القطاعات والأحزاب والحساسيات السياسية في البلاد، معربة عن رغبتها في حوار يفضي إلى نتائج ملموسة وفورية.
وقالت في هذا السياق: "يجب أن يكون الحوار سياسيًّا فنزويليًّا لا تسيطر عليه أوامر خارجية، سواء من واشنطن أو بوغوتا أو مدريد، نريده حوارًا سياسيًّا وطنيًّا يخدم الصالح العام لفنزويلا".
ويشير المتابعون للشأن الفنزويلي إلى أنّ رودريغيز بهذه الدعوة تريد أن تصنع حولها إجماعًا سياسيًّا وتوافقًا شعبيًّا، وذلك بتقديم نفسها كـ"سياسية وامرأة دولة توافقية" تبحث عن التقاطعات والنقاط المشتركة مع المعارضة، ومستعدة لتقديم التنازلات اللازمة من أجل مصلحة البلاد.
كما أنّها تقدّم للجمهور والرأي العام الفنزويلي صورة سياسية جديدة مختلفة تمام الاختلاف عن الرئيسين هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو، واللذّين اتّسما بالمواقف العدوانية الصريحة ضدّ المعارضة سواء أكانت معارضة الداخل أم الخارج.
وهي بهذه المسلكية، تضرب عدة عصافير بحجر واحد، أوّلها حشد التوافق الشعبي وراءها، وثانيها قطع الطريق أمام "النّخبة الثّورية المؤدلجة" التي لا تزال تسيطر على دفتي "الأمن" و"الدفاع" في فنزويلا والتأكيد لها أنّ عهد خطاب التخوين والشيطنة انتهى بـ"رحيل" نيكولاس مادورو.
حيث تصب هذه الدعوة - التي يصفها المراقبون بالذكية - في خانة "ما بعد التشافيزية - المادورية"، دون الخروج عن الإطار "البوليفاري"، وهو الخطّ الذّي يُؤمن بالحوار مع الآخر المختلف والبحث عن التقاطعات، والنقاش مع الأعداء أيضًا لخلق "سلام الشجعان".
إذ تسعى الخطوة إلى فرض الأمر الواقع على "الصقور" من بقايا مؤيدي تشافيز ومادورو، والتأكيد لهم أنّ المرحلة الانتقالية الحالية هي بمثابة العهد الجديد بعقد اجتماعي جديد وبخطاب سياسي مغاير لكل ما سبق.
غير أنّ المراقبين يؤكدون أنّ الدعوة لا تخلو من أهداف سياسية انتخابية لرودريغيز، إذ من المقرر أن تساعد هذه الخطوة رودريغيز على تقديم نفسها كـ"امرأة تجمع بين المعادلات الصعبة فهي في الوقت ذاته "صانعة التوافق الداخلي" "ومهندسة السلام الخارجي"، وبالتالي فمن حقها الحصول على تفويض شعبي بقيادة المرحلة الانتقالية الحالية والتي تدوم نصف عام.
وطالما أنّها لم تقدم وعدًا صريحًا بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في البلاد، وطالما أيضًا أنّ القوانين السارية لا تحول دون هذا الأمر، فإنّ إقدامها على الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة فرضية مرجحة جدًّا.
ويرى المتابعون أنّ ما تقوم به رودريغيز حاليًّا، ليس سوى "بروفة" سياسية، لحكم البلاد، والتدرب على قيادة دفة كاراكاس، وتعويد الجمهور الفنزويلي على وجود امرأة في سدّة السلطة في البلاد.
في السياق ذاته، تؤدي الدعوة أغراضها وأهدافها السياسية حيال إدارة الرئيس دونالد ترامب، من خلال تحقيق 4 نقاط على الأقل.
فهي من جهة أولى، تؤكد تمسكها بالمطالب الأمريكية الأساسية من "كاراكاس الجديدة" والتي على رأسها بدء صفحة جديدة مع المعارضة في التعاطي والتعامل، بعد الإفراج عن العشرات منهم خلال الأيام القليلة الماضية.
من جهة ثانية، تشدد على قبولها إجراء انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة عامة في البلاد، وهو معطى لا يتأتى إلا بمناخ حرياتي يقوم على الاعتراف بحق المعارضة في الوصول إلى سدة السلطة التنفيذية والتشريعية.
من جهة ثالثة، تؤكد صواب القرار الأمريكي (وهو قرار ترامب بإيعاز من السي أي إيه) بعدم الرهان على المعارضة الفنزويلية التاريخية ماريا ماتشادو، ووضع البيض السياسي في سلة رودريغيز على الأقل خلال المرحلة الانتقالية.
أما الجهة الرابعة، فتتمثل في التمهيد لزيارتها لواشنطن خلال الفترة القادمة، وهي زيارة تعتبرها رودريغيز "مفتاحية" بالنسبة لها ولمنظومة الحُكم الجديد.
ووفقًا للمراقبين، فإنّ رودريغيز تُراهن كثيرًا على زيارتها لواشنطن ولقائِها الرئيسَ ترامب في البيت الأبيض، إذْ تعوّل الرئيسة الفنزويلية كثيرًا على الدور الأمريكي في حلحلة العقوبات الاقتصادية المفروضة على كاراكاس.
وتُراهن رودريغيز على التأييد الأمريكي العلني لها ولخطواتها السياسية والاقتصادية، قصد الحصول على مخزون الذهب الفنزويلي المجمّد في بنك إنجلترا.
حيث أكدت الحكومة البريطانية في وقت سابق أنّها ستواصل الاحتفاظ بما يزيد على 3 مليارات دولار من الذهب الفنزويلي المخزن في بنك إنجلترا، رغم التغييرات السياسية المفاجئة في كاراكاس بعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو.
ونقلت صحيفة "ديلي تليغراف" البريطانية عن وزيرة الخارجية يفيت كوبر قوله أمام مجلس العموم: إن لندن لا تعترف رسميًّا بأي حكومة في فنزويلا في الوقت الراهن، وهو ما يعني بقاء الذهب في خزائن البنك المركزي البريطاني دون تغيير.
ورغم التغييرات الحاصلة على رأس هرم السلطة في كراكاس، والسياسات المعتمدة من حكومة رودريغيز، فإنّ لندن لا تزال ترفض إعادة الذهب إلى فنزويلا، بدعوة أنّ النظام الحالي هو امتداد لنظام الرئيس مادورو.
وتربط لندن بين استقرار البلاد وعودة الحكم الديمقراطي ودخول فنزويلا في انتقال ديمقراطي حقيقي وبين أي قرار مستقبلي حيال مخزون الذهب المحتجز.
ومن الواضح في هذا السياق، حاجة حكومة روديغيز الملحة، لاستعادة الذهب المحتجز، والذي قد يمكنها من اعتماد قرارات وإجراءات اجتماعية واقتصادية لصالح الفئات الواسعة المهمشة من الشعب الفنزويلي.
وبناء عليه فإنّ الرهان على ترامب لتقديم شهادة حسن سلوك سياسي للحكومة الجديدة ولتقديم التماس للندن لرفع الحجز على الذهب الفنزويلي، كبير جدّّا.
ويبدو أنّ حكومة رودريغيز منفتحة على خيارات تعاون كبيرة مع واشنطن، تبدأ من بسط الهيمنة على القطاع النفطي، والتقليل من الحضور الروسي والصيني، وإنهاء التواجد الإيراني، وفتح المجال واسعًا أمام الشركات النفطية والتقنية والرقمية الأمريكية لاكتساح الأسواق الفنزويلية، في مقابل إعادة دمج كراكاس في المنظومة الإقليمية والدولية، ورفع سيف العقوبات الاقتصادية في أقرب الأوقات.
وإلى حدّ الآن، لا تزال لندن، تتبنى سردية معارضة الخارج، التي ترفض العودة إلى فنزويلا وتأبى دعوات الحوار، وترى في حكم رودريغيز امتدادًا ناعمًا لحكم مادورو، ورضوخًا مؤقتًا للإرادة الأمريكية إلى حين استئناف عمل "الماكينة" السياسية الأيديولوجية في البلاد، وانقضاض الصقور البوليفاريين على الحمائم الذي يكونون أدوا أدوار "ذكر النحل".