logo
العالم
خاص

انقلاب ناعم.. كيف دفن الأخوان رودريغيز "البوليفارية" وسلّما فنزويلا لترامب؟

ديلسي رودريغيز وشقيقها خورخي

كلّ شيء يدلّ على أن فجر الثالث من يناير كانون الثاني 2026، كان بمثابة المرحلة الانتقالية بين عهدين شديدي الاختلاف والتضاد في فنزويلا

أخبار ذات علاقة

الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز.

فنزويلا تهدد خلف الكواليس.. فيديو مسرّب يكشف تكتيكات رودريغيز للبقاء

بمجرّد اعتقال القوات الأمريكية للرئيس نيكولاس مادورو وعقيلته واقتيادهما إلى نيويورك للمحاكمة، شرعت حكومة ديلسي رودريغيز بمعية أخيها خورخي رودريغيز رئيس البرلمان، في اعتماد سياسات جديدة واتخاذ قرارات لافتة، يصفها المراقبون بأنّها "المقبرة" الحقيقية للثورة البوليفارية وللسياسة التشافيزية.

وتؤكد المصادر السياسية والإعلامية من العاصمة الفنزويلية كاراكاس، أنّ الرئيسة بالنيابة ديلسي رودريغيز، تقوم بانقلاب هادئ وعميق على الميراث البوليفاري عامة والتشافيزي (نسبة للرئيس الراحل هوغو تشافيز) خاصّة، من داخل المنظومة السياسية والحزبية الحاكمة، نحو بلورة منظومة حُكم هجينة.

قلوبهم مع مادورو و"قنابلهم" عليه

وتضيف المصادر أنّ هجانة منظومة الحكم القائمة متمثلة أساسا في المحافظة على الشعارات السياسية الكبرى للتشافيزية المادورية في مقابل إجراء تغييرات سياسية واقتصادية كبرى من شأنها تغيير وجه فنزويلا بشكل راديكالي.

وتشير إلى أنّ الأمر يتجاوز إكراهات التعاطي مع الواقع السياسي الإقليمي والدولي الذي فرضته الإرادة والإدارة الأمريكية على فنزويلا، نحو اعتماد حكومة رودريغيز خيارات سياسية واقتصادية كبرى، ستضع كاراكاس بشكل رسميّ ونهائيّ تحت الهيمنة الأمريكية.

وتذهب التقديرات إلى اعتبار أنّ القرارات المتتالية والمدروسة تشي بأنّ سيناريو الانقلاب على مادورو كان محضرا وجاهزا، وأنّ رودريغيز كانت على تمام الدراية بالخطوات الواجب اعتمادها عقب القبض على الرئيس نيكولاس مادورو.

ووفقا للمراقبين للشأن الفنزويلي، فإن رودريغيز تجري حاليا أكبر عملية انقلاب ناعم على البوليفارية التشافيزية، من داخل منظومة الحكم ذاتها وبمعية المسؤولين السياسيين والحزبيين الاشتراكيين الذين اشتغلوا مع تشافيز ومادورو وعلى رأسهم أخوها رئيس البرلمان خيرخي رودريغيز.

موسم الهجرة إلى واشنطن 

من الواضح أنّ الزيارة التي ستجريها ديلسي رودريغيز إلى واشنطن في وقت لاحق ولقاءها المحتمل بالرئيس دونالد ترامب، إضافة إلى الزيارة الخاطفة التي أجراها مدير وكالة الـ"سي آي إيه" جون راتكليف إلى كاراكاس، مع مجمل اللقاءات غير الرسمية التي جمعت قائد الدبلوماسية الفنزويلية السابق فيليكس بلاسينسيا مع المسؤولين الأمريكيين في البيت الأبيض، كلها تصب في خانة التأييد الأمريكي لحكومة رودريغيز ورضا إدارة الرئيس ترامب على قراراتها وسياساتها.

بات الحديث اليوم عن استئناف العمل الدبلوماسي المتبادل بين البلدين؛ إذ أدى دبلوماسيون أمريكيون زيارة إلى كاراكاس لمناقشة إعادة فتح السفارة الأمريكية، وهو ما أكدته الدبلوماسية الفنزويلية التي أشارت إلى بدء عملية دبلوماسية استكشافية مع واشنطن تهدف إلى إعادة تركيز البعثات الدبلوماسية في كلا البلدين. 

أخبار ذات علاقة

فنزويليون مؤيديون لمادورو

ترامب والحديقة الخلفية.. هل بدأت خطة إخضاع أمريكا اللاتينية من فنزويلا؟

ويرى مراقبون أنّ التنويه الأمريكي برودريغيز يتكرس بشكل واضح في تبرم إدارة دونالد ترامب المعلن حيال المعارضة الفنزويلية الشرسة ماريا ماتشادو، فعلى الرغم من جميع خطوات التقرب والتزلف وآخرها إهداؤها ترامب جائزة نوبل للسلام، فإنّ الأخير ما زال يراهن على رودريغيز ويعتبرها الأجدر بخلافة مادورو وبقيادة المرحلة الانتقالية.

وتشير الأنباء الواردة من كاراكاس إلى أنّ العملية الانقلابية الناعمة والهادئة والعميقة التي تقوم بها رودريغيز ضدّ المنظومة السياسية البوليفارية والتشافيزية، بالإمكان رصد معالمها في 3 محاور كبرى، وهي على التوالي: المحور النفطي، والمحور السياسيّ، والمحور العسكريّ.

واشنطن "تشفط" النفط الفنزويليّ 

في المحور النفطي، يؤكد الخبراء الاقتصاديون أنّ رودريغيز فككت بشكل واضح العقيدة التشافيزية القائمة على تأميم النفط واستثماره لصالح المجموعة الوطنية، حيث وافقت على وضع النفط الفنزويلي تحت إمرة شركات النفط الأمريكية الكبرى المتعددة الجنسيات، من خلال عملية بيع تغنم بمقتضاها واشنطن أكثر من ثلث عائدات عمليات البيع.

ويكشف الخبراء أنّ واشنطن ستحصل في أقلّ الحالات على عائدات مالية تُقدّر بـ 170 مليون دولار، من جملة 500 مليون دولار يعتبر المبلغ الإجمالي لعائدات النفط الفنزويلي، فيما ستذهب 330 مليونا لمجالات الصحة والبنية التحتية الفنزويلية.

وتشير المصادر الاقتصادية إلى أنّ السيادة الأمريكية على عائدات النفط ستكون كاملة، وبشكل مهين لدولة كانت ترفع بالأمس القريب شعارات وعناوين الثورة البوليفارية التشافيزية.

ومن المقرر أن تودع عائدات النفط في حساب تابع للبنك المركزي الفنزويلي لدى "بنك قطر الوطني"، شريك بنك "جي بي مورغان تشيس"؛ ما يجعل عملية نقل العائدات إلى البنوك الفنزويلية رهينة موافقة "مكتب مراقبة الأصول الأجنبية" التابع لوزارة الخزانة الأمريكية.

وفي خطوة لافتة تتنزل في سياق تكريس الهيمنة الأمريكية على النفط الفنزويلي وتقطع بشكل شبه جذري مع التصور التشافيزي، أقرّ البرلمان الفنزويلي – برئاسة رودريغيز الأخ- أمس بالقراءة الأولى لمشروع قانون يفتح الباب أمام القطاع الخاص للاستثمار في النفط.

مطلب الشركات النفطية الأمريكية

وينظر إلى تعديل قانون النفط على أنه خطوة إضافية لتطبيع العلاقات مع واشنطن، حيث يؤكد مراقبون أنّ إصلاح القانون هو مطلب للشركات الأمريكية الراغبة في الحصول على ضمانات قبل الاستثمار في الاستكشاف والاستخراج.

من جهته، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ شركات النفط الأمريكية ستبدأ قريبا التنقيب في فنزويلا، فيما أدلى رئيس البرلمان جورج رودريغيز بتصريح لافت حيث أشار إلى أنّه لا طائل من النفط في باطن الأرض ما لم نتمكن من زيادة الإنتاج الذي يبلغ حاليا ما بين (900 ألف إلى 1.2 مليون برميل يوميا)، وهو أقل كثيرا من مستوى الذروة الذي تجاوز في مطلع الألفية سقف الـ 3 ملايين برميل.

وفي إجراء يؤكد بسط السيطرة الكاملة على النفط الفنزويلي أكّدت وكالة رويترز للأنباء أنّ إدارة ترامب ستسمح للصين بشراء النفط الفنزويلي بأسعار أعلى من الأسعار القديمة التي وصفتها الإدارة بـ "غير العادلة والرخيصة".

وقال مسؤول اشترط ‌عدم الكشف عن هويته لرويترز إنه "بفضل عملية إنفاذ القانون الحاسمة والناجحة ‌التي قام بها ‌الرئيس ترامب، ⁠سيحصل شعب فنزويلا على سعر عادل لنفطه من الصين ‌ودول أخرى بدلا من سعر فاسد ورخيص".

تطهير الإدارة من "فلول" مادورو

التغييرات في المجال السياسي والإداريّ لا تقل أهمية عن التغييرات الراديكالية في المشهد الاقتصادي، حيث تؤكد المصادر الإعلامية الفنزويلية أنّ الأخوين رودريغيز شرعا في عملية استبدال الكفاءات الحزبية الثورية بشخصيات أخرى. 

أخبار ذات علاقة

ديلسي رودريغيز

ديلسي رودريغيز تجري تعيينات جديدة داخل القيادات العسكرية في فنزويلا

وتشير المصادر إلى أنّ رودريغيز شرعت في إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي للدولة الفنزويلية بما يتناسب والمرحلة الأمريكية الترامبية.

ووصفت المصادر ما يحصل بعملية "تطهير" واسعة للإدارة الفنزويلية من تركة نيكولاس مادورو ومن فلول النظام السابق؛ إذ تم استبدال العشرات من الموظفين "الثوريين البوليفاريين" بكوادر تكنوقراطية شابة، البعض منها درس في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا، وليس لديهم أي عداء إيديولوجي ضدّ واشنطن.

ويبدو أنّ دوائر اتخاذ القرار في واشنطن وبروكسيل بدأت تتلمس هذا التغيير الطارئ والمفاجئ والعميق في كاراكاس، حيث شرعت بعض العواصم الأوروبية في النقاش حول إمكانية رفع العقوبات عن النظام الجديد في كاراكاس، طالما أنّه دخل فعليا "بيت الطاعة"، ولم يعد يهدد أي طرف أجنبيّ.

تغييرات عسكرية كبيرة

أمّا عسكريا، فقد بدأت ديلسي رودريغيز عملية إعادة تنظيم للقوات المسلحة، حيث عينت 12 ضابطا رفيع المستوى في القيادات الإقليمية.

ووفقا لمصادر إعلامية غربية مطلعة، فإنّ رودريغز عينت في وقت سابق من هذا الشهر، رئيس جهاز المخابرات قائدا جديدا لحرسها الرئاسي عوضا عن القديم الذي يشتبه في قيامه بدور لفائدة القوات الأمريكية عند اعتقالها للرئيس مادورو وزوجته من المجمع الرئاسي في العاصمة كاراكاس.

وحيال كل ما سبق، تؤكّدُ المصادر الإعلامية أنّ تغيير البوصلة السياسية في فنزويلا، سيفضي بمقتضى الحال إلى تغيير الشركاء الاستراتيجيين واستبدال الحلفاء، أو بدرجة أقل أخذ مسافة نقدية من موسكو وبكين وطهران، وهو ما لا ترفضه "كاراكاس الجديدة". 

أخبار ذات علاقة

ديلسي رودريغيز

4 مؤشرات.. هل حسمت رودريغيز "معركة" قيادة فنزويلا ضد ماتشادو؟

ويشير الخبراء والمراقبون إلى إمكانية أن تشهد المرحلة المقبلة تقاربا عسكريا وأمنيا مع واشنطن قوامه استبدال منظومة السلاح الروسي بآخر أمريكي، وتحجيم الحضور الاقتصادي الصيني، وإنهاء الوجود الإيراني بأشكاله كافة.

وهو تقارب ممكن، يمثل بالنسبة لموسكو وبكين كابوسا حقيقيا، حيث لا تزال ديون البلدين غير مسددة بالكامل، ويبدو أنّ مقايضة "النفط بالدين"، وهي الآلية التي كانت معمولة مع نظام مادورو، لن تدوم طويلا، مع توغل وتغول الوجود الأمريكي في الجغرافيا الطاقية الفنزويلية.

وفي الحالات كلها، فإنّ التقدير السائد في كاراكاس، يشير إلى أنّ الخطابات الرنانة التي تلقيها رودريغز أمام بقايا جماهير مادورو، والمتلازمات السياسية بأنها ابنة الثورة البوليفارية والحركة التشافيزية، ليست سوى مقدمات واهية لإعلان نعي للتشافيزية في فنزويلا في مقابل الترامبية الزاحفة إلى معاقل اليسار اللاتيني.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC