تمسك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولايته الثانية ومنذ اليوم الأول له في البيت الأبيض، بالإعلان عن أنه ليس رئيسا تقليديا للولايات المتحدة.
ويرى أنه سيكون صاحب سياسات وتوجهات تقع "خارج الصندوق"، وربما يكون من الرؤساء التاريخيين مثل جورج واشنطن أو أبراهام لينكولن أو فرانكلين روزفلت.
ووجد ترامب رهانه في الرئيس جيمس مونرو، صاحب المبدأ التاريخي الذي أطلقه منذ 203 أعوام والذي يتعلق بأن تكون الهيمنة في أمريكا الجنوبية للولايات المتحدة وليس للدول الأوروبية.
الرئيس الجمهوري وجد نفسه أمام ضرورة تحديث المبدأ، ليكون بنسخة قال إنها تواجه نفوذ الصين وموسكو في القارة اللاتينية.
ولم يتصور أحد أن يقوم ترامب، مع نهاية عامه الأول، بما أفزع المجتمع الدولي، وذلك يوم 3 يناير/ كانون الثاني 2026، عندما قامت قوات خاصة أمريكية بعملية نفذتها وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" ووقف في غرفة العمليات لتوجيهها، وهي اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من قلب مسكنه في العاصمة كراكاس.
المشهد الذي سقطت أمامه كافة أشكال الأعراف والقوانين الدولية، وقف فيه ترامب مستعرضا عضلاته، بالقبض على رئيس دولة بتهم اتجاره بالمخدرات ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته أمام القضاء الأمريكي.
"النفط ثم النفط".. حلم يراود ترامب في ظل فتح شهيته على ثروات الدول، وذلك ليس من خلال مخططات أو اتفاقات "تحت الطاولة"، ولكنه يذهب بشكل مباشر ويهدد ويطلب، وإن لم يتحقق الأمر، يتم العقاب.
هذا ما جرى مع مادورو، الذي لم يتجاوب مع رغبات ترامب بعودة الشركات الأمريكية للعمل في مواقع النفط الفنزويلي، ضمن خط استثمارات طويل الأمد، وأن تحصل الولايات المتحدة على 100 ألف برميل نفط يوميا على مدار 5 سنوات بالمجان من كراكاس.
منذ أن دخل ترامب البيت الأبيض مجددا في يناير من العام الماضي، وهو يعد تفاصيل ملف فنزويلا، ولكن مع بعض المستجدات الداخلية والخارجية، تأخر تعامله مع كراكاس، إلى أن جاء شهر أغسطس/ آب 2025.
في ذلك الوقت بدأ تنفيذ المخطط بمضاعفة المكافأة المخصصة للقبض على الرئيس مادورو، لتصل إلى 50 مليون دولار، ووضع الرجل في دائرة أنه قائد العصابات التي تهرب المخدرات من دول الكاريبي إلى قلب الولايات المتحدة.
من سبتمبر/ أيلول إلى ديسمبر/ كانون الأول 2025، أحكمت الولايات المتحدة الحصار على فنزويلا برا وبحرا، وذلك ضمن ما أعلن عنه من واشنطن بالحملة التي تستهدف مكافحة المخدرات في منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ، وسط قصف مستمر لعشرات القوارب، التي قالت كراكاس إنها لصيادين، فيما أكدت واشنطن أنها لمهربي المخدرات، مما أسفر عن مقتل العشرات.
ونفذت وكالة الاستخبارات الأمريكية عمليات في الداخل، كلفت بها من الرئيس ترامب، للعمل على تفكيك دوائر مادورو في الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم والجيش، ليكون 3 يناير موعد عملية "الحل المطلق" التي جاءت بخطف مادورو وزوجته إلى نيويورك.
وعمل ترامب خلال 2025 على مواصلة ضغوطه المتعددة على فنزويلا لمحاصرتها وتبديد المساحة التي تقدمها كراكاس لزيادة النفوذ الصيني والروسي في البحر الكاريبي، من خلال عملية "الرمح الجنوبي".
كانت هذه العملية العسكرية والاستخباراتية التي أطلقها ترامب في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وأعلن عنها وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، تحت الهدف المعلن بضرب كارتيلات المخدرات، ليكون "دق المسمار الأخير" في وجود مادورو على رأس النظام في بلاده.
الباحث في الشأن اللاتيني، علي فرحات، قال إن 2025 مع ترامب كان عاما مليئا بالتطورات تجاه فنزويلا ومن ورائها المنطقة اللاتينية كلها، حيث انطلق بالتحشيد في الكاريبي وبعث الرسائل إلى كراكاس وطلب من مادورو الاستسلام ليصل الأمر إلى الاختطاف، أمام انتصار غير مكتمل، بانتظار ما ستحمله الأشهر المقبلة.
ويرى فرحات، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أنه على الرغم من الاستعراض الدائم لترامب بأنه فاز بالقرار السياسي بشأن فنزويلا ونفطها، فإنه مع قرار الكونغرس مؤخرا، بتقييد يديه في كراكاس، ظهرت المخاطر التي رصدتها أجهزة الولايات المتحدة في دول بأمريكا الجنوبية.
وأوضح أن مفاد هذه المخاطر أن الاستمرار بمنهجية كسر هيبة هذه البلدان والتعاطي معها بهذه الفوقية، قد يأتي بارتدادات عكسية تمس الأمن الداخلي والخارجي الأمريكي.
وأضاف فرحات أن ما حدث في فنزويلا أعاد خلط الأوراق في أمريكا الجنوبية خاصة أن خطابات ترامب التي كانت توجه إلى هذه المنطقة كانت مفزعة للنخب والطبقات، لذلك باتت واشنطن تواجه معضلة في المجال اللاتيني، وسط تساؤلات عن رغبتها في تطويع هذه الدول.
وذكر أن ما جرى بكراكاس جاء بإمكانية إنشاء تيارات متطرفة هناك تستهدف الولايات المتحدة عن بعد، خاصة أن البيئة القائمة في هذه المنطقة جاهزة للاستعداء الأمريكي، نتيجة تاريخ مليء بدعم الحكومات العسكرية والديكتاتورية من البيت الأبيض في عقود مختلفة.
واعتبر فرحات أن التحولات في أمريكا اللاتينية أخطر بكثير من طرق تعاطي ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، في وقت يكون فيه من الأسلم احتواء تلك الدول بدلا من مواجهتها بالطريقة العسكرية، وأن تتجه واشنطن لهذه البلدان بنفس الطريقة الصينية.
وأوضح أن هذا يعني ربط واشنطن علاقاتها الاقتصادية لقطع الطريق على خصومها، موسكو وبكين، وإحراز نفوذ حقيقي وليس شكليا في هذه المنطقة، يكون حجر الزاوية له الاستثمارات.
واستطرد فرحات بالقول إن ما فعله ترامب وما زال يفعله في فنزويلا معاكس لعقلانية العلاقات بين الطرفين، ولذلك قد يرى في هذه المرحلة أنه يحقق إنجازات في تلك المنطقة ولكنها في الحقيقة ليست انتصارات دائمة، لأنها حتى الآن لم تحقق الأهداف النهائية وستظل خاضعة للكثير من الارتدادات والتحولات التي قد لا تروق للرئيس الجمهوري وإدارته.
وقد أثار مخطط ترامب تجاه فنزويلا جدلا كبيرا خلال الأيام الماضية في الداخل الأمريكي وحمل انعكاسات على وضعه السياسي هو وحزبه الجمهوري، لا سيما مع قرب انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس ورهان الديمقراطيين على هذا الملف لصالحهم.
والأهم من ذلك، عرقلة مجلس الشيوخ محاولات ترمب، بمنع شنه المزيد من العمليات العسكرية مجددا في البحر الكاريبي.
وبعد خطف مادورو، أصبحت نائبته ديلسي رودريغيز، الرئيس بالإنابة في هذه المرحلة، وهي تنتهج، بحسب مراقبين، سياسة "المناورة غير القاتلة" مع الرئيس ترامب، أملا في تجاوز المرحلة الانتقالية.
وتتنقل رودريغيز ما بين طرح مبادرات باتجاه الولايات المتحدة ، وفي الوقت نفسه، رفض تسليم واشنطن مقاليد الحكم أو السيطرة الكاملة على النفط في بلادها، في وقت تراجعت فيه قوة المعارضة نتيجة تصريحات ماريا ماتشادو وموقف البيت الأبيض منها.