أربكت العملية الأمريكية الخاصة والتي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من يناير الجاري، وعمليات المصادرة التي قام بها الجيش الأمريكي ضد السفن التي كانت تنقل نفطا مهربا من كاركاس وخاضعا للعقوبات بعض شركاء فنزويلا خاصة الصين، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وبحسب التقرير فإن تباطؤ تدفقات النفط الفنزويلي قد يهدد مكانة الصين كأكبر مشترٍ للنفط في العالم. حيث سعت بكين جاهدةً لشراء النفط الخام بأسعار مخفضة للغاية من دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا، ولكن مع تقلص خياراتها، فإنها تُخاطر بإبطاء وتيرة مشترياتها في ظل توقعات سوق النفط العالمية بفائض في المعروض.
وقال دينتون سينكويغرانا ، كبير محللي النفط في شركة OPIS، المملوكة لشركة داو جونز لـ"وول ستريت جورنال"، إنه "بدلاً من الشراء بكميات هائلة، قد تخفف الصين من وتيرة شرائها قليلاً. وهذا يزيد من المعروض العالمي، إذ كانت تستوعب جزءاً من هذا الفائض".
وتشير تقديرات شركة "كيبلر" المتخصصة في معلومات الشحن، إلى أن ما يقرب من 48 مليون برميل من النفط الخام الفنزويلي موجودة خارج المياه الإقليمية للبلاد وليست متجهة إلى الولايات المتحدة في تجارة مرخصة، مما يعني أن هذه الشحنات يمكن أن تنتقل إلى أماكن أخرى، بما في ذلك آسيا، وتخضع لإنفاذ العقوبات.
ويكشف التقرير أن إدارة ترامب التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول تعقب ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، والتي تُعدّ جزءًا من أسطول غير رسمي ينقل النفط الخام إلى دول من بينها فنزويلا وروسيا وإيران، ثم مصادرتها، تواصل الاستيلاء على الناقلات وآخرها ناقلة سادسة ترفع العلم الروسي ، مع وعود بمزيد من العمليات العسكرية الأمريكية في الأيام المقبلة.
وبحسب "وول ستريت جورنال"، تقوم القوات الأمريكية بنقل بعض ناقلات النفط التي تم الاستيلاء عليها على الأقل إلى تكساس. وكانت اثنتان من أحدث السفن التي تم الاستيلاء عليها راسيتين قبالة جزيرة غالفستون، بالقرب من هيوستن، حيث تمارس شركات النفط الكبرى، بما في ذلك إكسون موبيل وفيليبس 66 وفاليرو ، عمليات واسعة النطاق.
وتمتلك شركة فيليبس 66 مصنعين للوقود على ساحل خليج تكساس قادرين على معالجة النفط الخام الفنزويلي، وفقًا لما ذكره مارك لاشير ، الرئيس التنفيذي للشركة، الذي صرّح مؤخرًا للمستثمرين في مؤتمر غولدمان ساكس للطاقة، بأن النفط الفنزويلي مماثل في تجانسه وجودته للنفط الكندي، مما سيساهم في الضغط على أسعار النفط في كندا، وبالتالي خفض تكاليف المواد الخام لشركة فيليبس 66 في مصافي التكرير في جميع أنحاء الولايات المتحدة.
وأضاف لاشير، "كانت فنزويلا تنتج ثلاثة ملايين برميل يومياً من النفط الخام الثقيل. لدينا مصافٍ مصممة على المدى الطويل لمعالجة هذا النفط الخام، وقد يستغرق الأمر سنوات عديدة لإحياء صناعة قطاع الطاقة في البلاد بالكامل بعد عقود من الإهمال".
وتابع "نعتقد حقاً أن هذه فرصة لفنزويلا للعودة إلى كنف النظام الرأسمالي. ما حدث هناك جريمة، ونأمل حقاً أن تسير الأمور على هذا النحو".
وتؤكد الصحيفة، أنه منذ أن منحت الولايات المتحدة شركة شيفرون، تصريحًا بضخ المزيد من النفط من فنزويلا في يوليو الماضي، أصبحت الصين والولايات المتحدة وكوبا أكبر مستوردي النفط الفنزويلي.
ووفقًا لبيانات شركة كيبلر، استحوذت الصين على الحصة الأكبر بفارق كبير، حيث بلغ متوسط وارداتها 440 ألف برميل يوميًا. أما كوبا، فقد تلقت شحنات أصغر حجمًا ومتقطعة تقل عن 20 ألف برميل يوميًا.
ولكن مع تكثيف الجيش الأمريكي لتواجده قبالة سواحل فنزويلا مطلع يناير، حاولت مجموعة من ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات الخروج من منطقة البحر الكاريبي. وصل بعضها إلى شمال المحيط الأطلسي، بينما عادت أخرى أدراجها. والنتيجة، كانت التوقف الحاد لتدفقات النفط الفنزويلي المتجهة إلى آسيا، ولم تُسجّل أي شحنات مؤكدة متجهة إلى كوبا حتى الآن هذا الشهر، وفقًا لشركة كبلر.
وفي ظل غياب النفط الخام الفنزويلي، ستسعى بكين إلى استيراد المزيد من النفط من كندا. وقد اتفق البلدان هذا الشهر على تعزيز علاقاتهما في مجال الطاقة. وتتطلع كندا إلى تقليل اعتمادها التجاري على الولايات المتحدة بسبب الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب . وتتجه أكثر من 90% من صادرات كندا من النفط الخام إلى الولايات المتحدة.
وقال وزير الموارد الطبيعية الكندي تيم هودجسون عقب اجتماعات في بكين: "ما سمعناه بوضوح تام هو أن الصين تبحث عن شركاء تجاريين موثوق بهم، شركاء تجاريين لا يستخدمون الطاقة للإكراه".
وبرزت الصين كمستورد رئيسي للنفط الخام الكندي بفضل خط أنابيب ترانس ماونتن، الذي ينقل النفط الخام من حقول ألبرتا النفطية إلى الموانئ البحرية قرب فانكوفر، في مقاطعة كولومبيا البريطانية. وخلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، استحوذت الصين على أكثر من 5% من صادرات النفط الكندية، وهي نسبة أعلى بكثير من حصتها البالغة 1.8% خلال الفترة نفسها من عام 2024، وفقًا لبيانات هيئة الإحصاء الكندية.
أعطى المسعى الأمريكي لإنعاش قطاع النفط الفنزويلي زخماً إضافياً لمشروع خط أنابيب نفط جديد مقترح في كندا، من شأنه أن يوفر وصلة أخرى بين ألبرتا والساحل المطل على المحيط الهادئ.
ورغم إمكانية شراء اليابان ودول آسيوية أخرى للنفط الخام من هذا المشروع، يؤكد المحللون أن الصين ستكون بلا شك المستهلك الرئيسي.