كشف تقرير حديث أن العلاقة بين واشنطن وكاراكاس انتقلت إلى مستوى أكثر عمقًا وتأثيرًا: التحكم العملي في بيع النفط الفنزويلي، المورد السيادي الأهم للدولة.
وشرعت واشنطن في التوسط لبيع ملايين البراميل من النفط الفنزويلي؛ ما يجعلها لاعبًا مباشرًا في إدارة شريان الاقتصاد الفنزويلي نفسه، أكثر من مجرد قوة عقاب وسيطرة.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن النفط الذي حاصرته العقوبات الأمريكية منذ فرض الحصار الجزئي على ناقلات النفط الخام، تحوّل فجأة إلى محور سياسة جديدة تقودها وزارة الطاقة الأمريكية، التي تولت تنسيق بيع نحو 50 مليون برميل كانت محتجزة داخل فنزويلا، وهذا التحول لم يأتِ عبر رفع شامل للعقوبات، بل عبر إعادة توظيفها، بحيث تصبح أداة لتنظيم التدفق النفطي بدل منعه.
من اللافت أن هذه الخطوة جاءت بعد أيام فقط من الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واحتجازه؛ ما يعكس سرعة انتقال واشنطن من مرحلة إسقاط القيادة إلى مرحلة إدارة الاقتصاد؛ إذ إن بيع النفط الفنزويلي يعد ضروريًا لتفادي شلل كامل لصناعة النفط في البلاد، التي كانت على وشك إغلاق مناطق إنتاج رئيسية بسبب امتلاء مرافق التخزين، وهو ما كان سيخلّف أضرارًا دائمة للحقول.
ويعتقد محللون أن اختيار شركتي "ترافيغورا" و"فيتول" لتنفيذ عمليات البيع، يمنح واشنطن دور الوسيط غير المعلن بين النفط الفنزويلي والسوق العالمية؛ خصوصًا أن كاراكاس لم تُترك لتتفاوض بنفسها، ولم يُفتح السوق بحرية، بل جرى تمرير النفط عبر قنوات محددة، بأسعار أفضل من تلك التي كانت تحصل عليها فنزويلا عند التصدير إلى الصين في ظل العقوبات.
وكشف هذا الدور الوسيط، انتقال النفوذ الأمريكي من مستوى الضغط السياسي إلى مستوى التحكم الاقتصادي التنفيذي؛ إذ أصبح النفط موردا يُدار ضمن ترتيبات تشرف عليها قوة خارجية، وتتحكم في التوقيت، والوسطاء، ومسار العائدات المالية.
غير أن هذه المساعي الأمريكية أثارت جدلًا قانونيًا واسعًا؛ إذ انتقد خبراء اقتصاديون فنزويليون "الفراغ القانوني" لهذه الصفقات؛ ما سلط الضوء على طبيعة المرحلة الجديدة: سرعة وفعالية مقابل غموض في المساءلة، خصوصًا أن الصفقات أنقذت إيرادات الدولة، لكنها في الوقت نفسه همّشت المؤسسات التقليدية في واحدة من أكثر القطاعات حساسية.
ويرى مراقبون أن الأموال الناتجة عن بيع النفط، والمحتجزة في حسابات خارجية، أصبحت بدورها أداة لإعادة ترتيب الداخل المالي، مع تحركات لإعادة إدخال الدولارات إلى الاقتصاد المحلي وتخفيف الضغط على العملة.
وفي هذا السياق، تبدو واشنطن وقد انتقلت من معاقبة فنزويلا إلى إدارتها اقتصاديًا من نقطة النفط، في صيغة جديدة للنفوذ، لا تقوم على تغيير النظام فقط، بل على إعادة تشغيل الدولة وفق شروط من يملك السوق والدولار والممرات التجارية.