يرى متخصصون في شؤون أمريكا اللاتينية أن الولايات المتحدة تجد نفسها، اليوم، أمام انسداد إستراتيجي يعقّد خياراتها، بين تدخل عسكري أو تفاوض مع نظام يمتلك سيطرة كاملة على الجيش والمؤسسات.
ويؤكد خبراء أن أي محاولة لفرض وصاية أمريكية على النفط الفنزويلي ستصطدم برفض قاطع من "صقور النظام" والميليشيات المسلحة الموالية لـ "ديوزدادو كابيو" في كراكاس.
ويشيرون إلى أن التحدي الأكبر يكمن في إقناع شركات النفط العالمية بالاستثمار في فنزويلا، في ظل غياب الأمن أو أي ضمانات سياسية، خاصة مع التاريخ الطويل من التأميم الذي أضر بهذه الشركات، مما يجعل الحديث عن السيطرة على آبار النفط وخلجانه أشبه بـ "لعنة اقتصادية" تشبه، إلى حد كبير، السيناريو العراقي، وقد تنتهي بصدام دولي تجاه الهيمنة الأمريكية.
وفي سياق تكرار تجربة العراق "الفاشلة"، تعمل الولايات المتحدة على استنساخها حيث تحولت لحظات النصر الأمريكي إلى تمرد مسلح طويل الأمد آنذاك، وهو ما قد يتكرر في كاراكاس، ليتم الاكتفاء بالرهان على "سقوط نيكولاس مادورو" كحل سحري للأزمة.
إلا أن فنزويلا ليست العراق، والتدخل الأمريكي الجاري في كاراكاس لا يحاكي التجربة العراقية من الناحية العسكرية، لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كرر أخطاء سلفه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش في العراق، فإلى جانب تصريحاته المبهمة بأن الولايات المتحدة ستُدير فنزويلا لفترة انتقالية غير محددة، يبدو أن إدارته لم تُخطط لسيناريوهات ما بعد إزاحة مادورو من السلطة.
وهذا يشير إلى أن الواقع الحالي في فنزويلا يكشف أن البنية التحتية النفطية منهكة بثقل عقوبات وسوء إدارة، وتحتاج لاستثمارات تتجاوز 180 مليار دولار لمجرد العودة لمستويات الإنتاج السابقة، مما يجعل وعود ترامب بأن التدخل "لن يكلف شيئاً" مجرد أمنيات سياسية تصطدم بواقع تقني وأمني معقد، وتهدد بتحويل "الغنيمة النفطية" إلى عبء مالي وأمني يستنزف الخزانة الأمريكية لسنوات مقبلة.
وقال الدكتور كمال حسن، رئيس اللجنة الوطنية للإعلام البديل في فنزويلا إن الولايات المتحدة تواجه معضلة إستراتيجية في فنزويلا، حيث إن الخيارات المتاحة أمامها محدودة ومكلفة.
وأضاف حسن لـ"إرم نيوز" أن واشنطن من جهة تدعم المعارضة، ولكنها تفتقر إلى الوحدة، والدعم الشعبي الكافي، والقدرة على تحدي النظام المؤسسي القائم، ومن جهة أخرى، فإن الحكومة الحالية بقيادة ديلسي رودريغيز تتمتع بسيطرة كاملة على الجيش ومؤسسات الدولة، مما يجعل إزالتها بالقوة خياراً عسكرياً صعباً.
وأوضح حسن أن أي تدخل عسكري مباشر سيكون مكلفاً وغير مضمون العواقب، وقد يؤدي إلى مواجهة مع القوى العسكرية الروسية والصينية الداعمة للنظام الفنزويلي، إضافة إلى التسبب بأزمة لجوء إقليمية.
وحول التعامل مع حكومة مادورو أشار حسن إلى أن رفع العقوبات التي تسببت بأزمات اقتصادية وإنسانية، يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل قطاع النفط المنهك، كما أن أي تسوية سياسية يجب أن تأخذ في الاعتبار المصالح الإستراتيجية، والديون المستحقة لروسيا والصين في البلاد.
واختتم حسن بالإشارة إلى أن النتيجة هي حالة جمود، حيث يبدو الخيار الواقعي الوحيد هو التفاوض عبر مسار دبلوماسي طويل وشائك، مع ضرورة مراجعة سياسة الضغوط القصوى التي فشلت في تحقيق أهدافها.
من جانبه، يقول الباحث في شؤون أمريكا اللاتينية، حسان الزين، إن النقطتين الأساسيتين اللتين يجب النظر إليهما هما الاستقرار الأمني في فنزويلا، والاستثمار في النفط، خاصة أن شركة النفط الكبيرة طرحت بعض الشروط على الإدارة الأمريكية، وأهمها الاستقرار الأمني، والضمانات التي يمكن أن توفرها الإدارة الأمريكية من خلال تجارب هذه الشركات في التاريخ النفطي الفنزويلي من حيث إن التأميم في السبعينيات، والتأميم في عهد شافيز، أضرَّا بهذه الشركات من وجهة نظرها، وبالتالي أخرجها ذلك من النادي النفطي الفنزويلي.
واعتبر الزين في حديثه لـ"إرم نيوز" أن هذين التحديين هما الأساسيان حتى على مستوى الولايات المتحدة، ومن هنا يُفهم لماذا اعترفت واشنطن، الآن، بالإدارة القائمة بالحزب الحاكم، فهي قد "قطعت الرأس" ولكنها لم تقطع النظام، وبشكل عام أبقته على ما هو عليه، وأبعدت باتشادو من الدائرة السياسية حتى الآن.
وتساءل الزين: "هل حقق ترامب كل أهدافه السياسية والعسكرية والاقتصادية والمالية في فنزويلا؟"، مجيباً بأن السيطرة على فنزويلا حتى الآن ليست كاملة، لأنه لو كانت كذلك لألغى الحصار، وعادت السفارات والشركات إلى سابق عهدها، واصفاً الفترة الحالية بالضبابية.
وأشار إلى وجود مرونة فنزويلية مدفوعة بـ"قوة الدبلوماسية" ومواقف واضحة برفض تسليم كل الشروط للأمريكيين، مقابل حدية أمريكية في بعض التصريحات.
وتطرق الزين إلى الشروط الأمريكية المتعلقة بالدائرة الاقتصادية للنفط، بمعنى أن الاستيلاء على النفط وتصفيته ثم ذهاب الأموال إلى واشنطن، ومن ثم تبدأ عمليات التوزيع، وهو ما لم يوافق عليه الفنزويليون، ومن الصعب موافقة أي شعب عليه، لأنه يعني استعماراً كاملاً للبلاد.
ولفت إلى أن الحديث يدور حول 6% فقط من مساحة فنزويلا التي تخضع للنفط، وتضم المخازن والآبار والخلجان، وهي مساحة تقدر بنحو 900 كيلومتر، لذا من الصعب القول إن الأمريكيين سيطروا على البلاد، والظاهر أنها ستكون "لعنة اقتصادية" أكثر منها نجاحاً، والأيام المقبلة ستثبت أنه إذا تغير النظام على مستوى الرأس أو "صقور النظام" ستكون أمريكا أمام خيارات أقلها مرّ.
وشدد الزين على أهمية مراقبة السلوك الفنزويلي والأمريكي، معتبراً أن الأسئلة المطروحة تتعلق بـ "ما بعد غرينلاند"، وكيف ستقاس الأمور؟ وهل يصبح الرئيس مادورو عنواناً للتحرر من الهيمنة الأمريكية على مستوى العالم؟
وفي سياق متصل، قال الكاتب والباحث السياسي الدكتور جهاد يوسف المقيم في كاراكاس إن فرض الوصاية الأمريكية على النفط الفنزويلي يتطلب مجموعة من القضايا، أولها تسليم ذلك من قبل السلطات الحالية، وهو أمر مستبعد إلا إذا استولت أمريكا بالقوة عبر غزو البلاد، وكذلك وجود استعداد لدى الشركات العالمية القبول في العمل هناك.
وأضاف يوسف لـ "إرم نيوز" أن بقايا رموز النظام لن تسمح بذلك، وهناك معارضة شديدة، لا سيما من أنصار "شافيز" للوجود الأمريكي في البلاد.
وأوضح أن ما يمكن أن تقدمه القيادة الفنزويلية الحالية إلى ترامب هو تسهيلات لتحسين الإنتاج عبر تزويد فنزويلا بالمعدات التي ستزيد الإنتاج إلى 3 ملايين برميل يومياً.
وأكد أن الوضع في فنزويلا لم يحسم بعد، إذ إن هناك معارضة من بقايا النظام يتزعمها "ديوزدادو كابيو" الذي يرفض، بأي شكل من الأشكال، التنازل للولايات المتحدة وتسليمها النفط، وأنصاره كثيرون، ومسلحون في كل كراكاس.
أما بالنسبة للجيش الفنزويلي، فبيّن يوسف أنه من الممكن أن يقاوم لفترة من الوقت، ويستطيع أن يوقع خسائر في القوات الأمريكية فيما إذا فكرت واشنطن اللجوء إلى القوة.