logo
العالم

قنوات مفتوحة وشروط مستحيلة.. مفاوضات إيران وأمريكا إلى أين؟

لوحة مناهضة للولايات المتحدة وسط طهرانالمصدر: رويترز

ذكرت مجلة "فورين أفيرز" أن مسار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران لا يواجه أزمة تفاوض بقدر ما يواجه أزمة في تعريف الهدف النهائي للعلاقة بين الطرفين. 

أخبار ذات صلة

من آثار القصف في طهران

تفاؤل وغموض.. ترامب يعد بـ"صفقة إيران" ولا يملك تفاصيلها

وبحسب المجلة، فإن هذا هو ما يفسّر تعثر الجولة الأخيرة من المحادثات رغم الزخم السياسي غير المسبوق، مشيرة إلى أنه في حين أن الاتفاق الكبير بعيد المنال، فإن الاتفاق الشامل ممكن.

ورأت المجلة في تحليلها أن اللقاءات المباشرة التي جمعت مسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين، وهي الأولى من نوعها منذ سنوات، تعكس إدراكًا متزايدًا لدى واشنطن وطهران بأن كلفة الصراع المفتوح باتت أعلى من كلفة إدارة التنافس.

ومع ذلك، انتهت هذه الجولة دون اتفاق، في مؤشر على أن المشكلة لم تعد في غياب القنوات، بل في طبيعة الشروط المطروحة داخلها.

يأتي ذلك بعد أن قالت وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية، اليوم، إن طهران أبلغت الوسيط الباكستاني عدم موافقتها "حتى الآن" على إجراء جولة جديدة من المحادثات مع الولايات المتحدة.

أخبار ذات صلة

العلم الإيراني في العاصمة طهران

إيران: أبلغنا باكستان عدم موافقتنا "حتى الآن" على جولة مفاوضات جديدة

"تعريف النصر"

تشير "فورين أفيرز" إلى أن العقبة الأساسية لم تعد تقنية، بل مفاهيمية؛ إذ لا يزال كل طرف يدخل المفاوضات بعقلية تحقيق مكسب حاسم، لا بناء توازن مستدام.

الولايات المتحدة تواصل الدفع نحو نموذج "التصفير النووي"، عبر المطالبة بوقف التخصيب بالكامل والتخلي عن مخزون اليورانيوم عالي النسبة، إلى جانب تقليص الدور الإيراني في مضيق هرمز.

في المقابل، ترى طهران أن هذه المطالب لا يمكن فصلها عن قضايا السيادة والردع، وأن القبول بها يعني إعادة تعريف موقعها الإقليمي من لاعب فاعل إلى طرف مقيّد.

وتوضح "فورين أفيرز" أن هذا التباين يعكس فجوة أعمق في فهم القوة: واشنطن تراهن على أن الضغوط العسكرية والعقوبات المتراكمة قادرة على فرض تنازلات، بينما تستند طهران إلى تجربة الصمود خلال الحرب الأخيرة لتأكيد قدرتها على امتصاص الضربات دون الانهيار.

ويتسبب هذا التعارض في التصورات، وفق التحليل، بما يشبه "حلقة جمود تفاوضي"، حيث يرفض كل طرف تعديل سقف مطالبه انطلاقًا من قناعة بأنه يمتلك اليد العليا.

إيران، التي تمكنت من الحفاظ على تماسك مؤسساتها رغم الضربات، تدخل المفاوضات بثقة نسبية، معتبرة أن استراتيجية "الضغط الأقصى" لم تحقق أهدافها.

أخبار ذات صلة

زورق إيراني

"البعوض" الإيراني.. زوارق تعيث خراباً وتدميراً في مضيق هرمز

في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة ترى أن قدرتها على تصعيد العقوبات واستهداف البنية الأمنية الإيرانية تمنحها هامش مناورة واسع.

لكن المجلة تشير إلى أن كلا التقديرين جزئي وغير مكتمل؛ إذ إن إيران قادرة على الصمود، لكنها تبقى عرضة لاستنزاف طويل الأمد، بينما تملك واشنطن أدوات ضغط قوية، لكنها غير قادرة على فرض حسم نهائي دون كلفة استراتيجية مرتفعة.

أداة إدارة لا حل

في هذا السياق، يصبح استمرار وقف إطلاق النار شرطًا أساسيًا، ليس كمدخل للحل، بل كآلية لإدارة الأزمة. فالتصعيد العسكري، بحسب التحليل، لن يدفع أيًا من الطرفين إلى تقديم تنازلات، بل سيعزز مواقف التيارات الأكثر تشددًا داخليًا.

وتلفت المجلة إلى أن فترات التهدئة تتيح اختبار ما يُعرف بـ"إجراءات بناء الثقة منخفضة الكلفة"، مثل تخفيف محدود للعقوبات، وإدخال مساعدات إنسانية، إلى جانب ترتيبات بحرية تضمن تدفق السلع الأساسية، فضلًا عن تبادل محتجزين أو فتح قنوات رقابة دولية، وهي خطوات تهدف إلى تقليص فجوة الثقة تدريجيًا دون الانخراط في تنازلات كبرى.

هذه الخطوات، رغم محدوديتها، تؤدي دورًا مهمًا في إعادة تشكيل البيئة التفاوضية، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج اتفاق دائم.

الملف النووي

يبقى البرنامج النووي الإيراني النقطة الأكثر تعقيدًا، لكنه في الوقت ذاته يوفر أكبر مساحة للحلول الوسط، إذا تم التخلي عن المقاربات القصوى.

وتشير تقارير دولية، نقلت عنها المجلة، إلى أن أحد السيناريوهات الواقعية يتمثل في تعليق التخصيب لفترة زمنية محددة تتراوح بين 5 و20 عامًا، مع تحديد سقف دائم عند 3.67% بعد استئناف النشاط، والإبقاء على المخزون الحالي من اليورانيوم مع تخفيفه وإخضاعه لرقابة دولية صارمة، بما يحقق توازنًا بين متطلبات الحد من الانتشار واعتبارات السيادة الإيرانية. 

أخبار ذات صلة

منشأة لتخصيب اليورانيوم في طهران

لا هرمز ولا الصواريخ.. اليورانيوم "رأس الأفعى" وكل الطرق تؤدي إليه

كما تطرح فكرة إنشاء "كونسورتيوم إقليمي للتخصيب" بمشاركة دول في الشرق الأوسط، كنموذج لتقاسم المخاطر وتعزيز الشفافية، على غرار التجارب الأوروبية.

ولا ينهي هذا النموذج البرنامج النووي الإيراني، لكنه يحوّله من مصدر تهديد إلى ملف قابل للإدارة، وهو ما تعتبره المجلة أقرب إلى الواقعية السياسية.

هرمز.. نقطة ضغط

إلى جانب النووي، يبرز مضيق هرمز كملف لا يقل حساسية، ليس فقط بسبب أهميته لإيران، بل لكونه عقدة مركزية في الاقتصاد العالمي.

وتحذر المجلة من أن أي محاولة لفرض قيود على الملاحة أو عسكرة الممر قد تؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، فضلًا عن توسيع نطاق التوتر ليشمل قوى كبرى مثل الصين والهند، بما يعمّق تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، يصبح الالتزام بحرية الملاحة وفق القانون الدولي عنصرًا غير قابل للتفاوض، مع طرح خيار إنشاء إطار أمني إقليمي بإشراف دولي لتقليل مخاطر الاحتكاك.

ولا يمكن فصل مسار التفاوض عن البيئة الإقليمية، حيث تتداخل حسابات عدة أطراف، من بينها إسرائيل ودول الخليج، في تحديد سقف التفاهمات الممكنة.

وتشير "فورين أفيرز" إلى أن أي اتفاق لا يعالج مسألة الصراعات غير المباشرة، سواء في اليمن أو غيرها، سيبقى هشًا وقابلًا للانهيار. لذلك، فإن تقليص هذه المواجهات يُعد جزءًا لا يتجزأ من أي تسوية مستدامة.

العقبة الحقيقية

في الخلاصة، ترى المجلة أن العقبة الحقيقية أمام الاتفاق ليست في تفاصيل البنود، بل في رفض الطرفين الانتقال من منطق "الهيمنة" إلى منطق "التعايش". 

أخبار ذات صلة

قوة إيرانية في مضيق هرمز

انقسام حول "هرمز" وضبابية سياسية إيرانية تهدد بتقويض الهدنة

لا الولايات المتحدة قادرة على إنهاء الدور الإيراني، ولا إيران قادرة على تجاهل كلفة المواجهة المفتوحة. وبين هذين الحدين، يفرض الواقع خيارًا ثالثًا: اتفاق تدريجي يقوم على إدارة الصراع بدل حسمه.

وقد لا ينتج هذا المسار تطبيعًا سريعًا، لكنه يفتح الباب أمام علاقة "وظيفية" تسمح بالتعاون المحدود في ملفات مثل الأمن البحري وعدم الانتشار، وهو ما تعتبره المجلة النتيجة الأكثر واقعية في المدى المنظور.

وفي ظل هذه المعادلة، لا يصبح السؤال ما إذا كان الاتفاق ممكنًا، بل ما إذا كان الطرفان مستعدين للتخلي عن أوهام الانتصار الكامل، وهو الثمن السياسي الحقيقي لأي تسوية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC