logo
العالم

اليورانيوم محور الصراع الحقيقي.. ما وراء هرمز والصواريخ

منشأة لتخصيب اليورانيوم في طهرانالمصدر: رويترز

أطلقت إيران موقفاً جديداً متشدداً حول "عقدة اليورانيوم" التي تعد عقبة رئيسية، قد تتفوق على أزمة مضيق هرمز، في تثبيت وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن وتل أبيب قبل الموعد النهائي في 21 أبريل/ نيسان الجاري.

 وفي تصريحات متناقضة، أصرّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في مقابلة هاتفية مع وكالة رويترز، على أن إيران "وافقت على كل شيء"، بما في ذلك نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة.

 لكن طهران ردّت بنفي "قاطع"، عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، مجددة التأكيد على أن هذا الملف "خط أحمر" سيادي لا يمكن المساومة عليه، ومشددةً على أن خيار نقل اليورانيوم المخصب إلى الخارج "مرفوض تماماً"، كما نقلت عنه وكالة مهر الرسمية.

"الاستسلام الكامل"

وحملت تصريحات بقائي "المتشددة" والمعاكسة للإجواء الإيجابية رسائل حادة نحو إدارة ترامب وتصريحاتها "المتفائلة"، إذ عبّر الموقف الإيراني، وفق مراقبين، عن أن اليورانيوم يمثّل في وجهة نظر النظام "الجديد" في طهران "السلاح الوحيد" الاستراتيجي، وتسليمه حتى مقابل مليارات الدولارات سيعني "الاستسلام الكامل.

ويبدو أن ترامب، الذي وصف اليورانيوم المخصب المدفون بـ "الغبار النووي" وأن عملية نقله ستتم "بوتيرة هادئة" باستخدام "آلات ضخمة" ومعدات ثقيلة، وستكون تدريجية، يعمل، بحسب خبراء، وفق استراتيجية "إزالة السم من الأفعى"، حتى لو تكلّف ذلك مليارات الدولارات من الأموال المجمدة الإيرانية.

ويرى ترامب في اليورانيوم المخصّب، الذي يُقدّر بنحو ألفي كيلوغرام، بينها حوالي 450 كيلوغراماً مخصباً بنسبة 60%، التهديد النووي الوحيد المتبقي لإيران، ويصرّ على نقله كاملاً خارج البلاد ليحول دون أي قدرة إيرانية على بناء سلاح نووي في المستقبل. 

ويعوّل ترامب، الذي يواجه حزبه الديمقراطي انتخابات نصفية "غير مضمومة"، على تنازلات إيرانية تتعلق بنزع القدرة النووية أولاً ثم فرض شروط سياسية أوسع، مع إدراكه أن إقناع الرأي العام الأمريكي بـ"استسلام" طهران لن يكون بإعادة فتح مضيق هرمز، بل بتخليها عن "رمز سيادتها": اليورانيوم.

"صلابة إيرانية"

يُعد اليورانيوم المخصب، في التحليل الإيراني، "السلاح الوحيد" الذي يمنح طهران قدرة ردع استراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وتسليمه الكامل، حتى مقابل 20 مليار دولار من الأموال المجمدة كما يتردد في بعض التسريبات الأمريكية، سيُنظر إليه داخل النظام الإيراني كاستسلام تام يُفقد البلاد أي ورقة ضغط مستقبلية. 

لكن "التصلّب" الإيراني ليس مغلقاً تماماً، فهناك احتمال أن تسلم طهران كمية من اليورانيوم وتحتفظ بأخرى، فاتحة المجال أمام تسوية جزئية، وهو ما يتوافق مع تصريحات سابقة لنواب إيرانيين وتقارير إعلامية موالية.

 وبحسب مواقف سابقة، فقد أبدت طهران استعداداً لـ"تخفيف تركيز" حوالي 400-450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب داخل البلاد تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها ترفض تماماً نقله إلى الخارج أو تسليمه كاملاً. 

ووفق الموقف الإيراني "المفترض"، قد توافق طهران على تسليم جزء معلن فقط إذا كانت تمتلك كميات غير معلنة مخزنة في أماكن سرية، مدعومة بأجهزة طرد مركزي فعّالة ومخزون من اليورانيوم الخام.

وسيسمح هذا السيناريو لطهران بإعادة التخصيب بسرعة في أي وقت، مما يحافظ على "القدرة النووية الافتراضية" دون الاعتماد الكامل على المخزون الحالي، خصوصاً أن تقارير استخباراتية سابقة تشير إلى أن إيران نقلت جزءاً من مخزونها قبل الضربات الأمريكية والإسرائيلية، في يونيو العام الماضي، إلى مواقع تحت الأرض أو غير معلنة؛ مما يعزز احتمال وجود "احتياطي خفي". 

خطورة استخراج اليورانيوم

وبحسب ما أوردته مجلة "فورين بوليسي"، قبل أيام، فإن الجزء الأكبر من المخزون النووي الإيراني لم يُدمّر أصلاً، بل يُعتقد أنه لا يزال مدفونًا داخل أنفاق تحت الأرض في منشأة أصفهان، مع مؤشرات على توزيع أجزاء منه في مواقع أخرى مثل نطنز.

وتنقل المجلة عن خبراء عسكريين أن أي محاولة لانتزاع هذا المخزون لن تكون عملية سريعة، بل أقرب إلى مهمة ممتدة زمنيًا داخل مسرح عمليات نشط. فالتحدي لا يبدأ عند الوصول إلى المواقع، بل بعده، حيث تتحول العملية إلى اختبار مركّب يجمع بين القتال والهندسة النووية.

فالمواد موجودة داخل أنفاق مغلقة ومدفونة تحت أنقاض منشآت متضررة جزئيًا، ما يعيق الوصول المباشر إليها، إضافة إلى طبيعتها المشعة التي تتطلب إجراءات دقيقة في التعامل والنقل. ويجري ذلك ضمن بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة، حيث تتحول كل دقيقة تأخير إلى مخاطرة مضاعفة تحت تهديد نيران مباشرة أو ضربات بعيدة المدى.

كما يتمثل أحد أكثر الجوانب حساسية في البعد الهندسي للعملية، إذ لا يمكن التعامل مع المخزون بوصفه هدفًا قابلاً للانتزاع السريع. فالوصول إليه يتطلب إزالة أنقاض ثقيلة لفتح مداخل الأنفاق، واستخدام معدات حفر ونقل ضخمة، قبل إخضاع المواد لفحوص دقيقة للتأكد من طبيعتها وسلامتها، ثم تعبئتها داخل حاويات مخصصة لنقل المواد المشعة.

ولا تنفصل هذه التعقيدات عن المخاطر الأمنية، إذ إن تنفيذ هذه المراحل يتطلب وقتًا ومساحة عمل في بيئة غير مستقرة، ما يجعل الجانب الهندسي عاملًا حاسمًا في نجاح المهمة أو تعثرها.

ولا تقف التحديات عند الجانب الفني، بل تمتد إلى نمط الانتشار العسكري المطلوب. فالتقديرات تشير إلى أن العملية، إن نُفذت، ستتطلب حشدًا مركبًا يجمع بين قوات العمليات الخاصة ووحدات هندسية متخصصة، إلى جانب غطاء جوي مكثف وأنظمة دفاع صاروخي ومسيّرات لحماية القوات والمنشآت.

كما تبرز الحاجة إلى تأمين قواعد جوية قريبة أو إنشاء مدارج مؤقتة لنقل المعدات الثقيلة والمواد الحساسة، ما يعكس حجم التشابك اللوجستي الذي يتجاوز إطار العمليات الخاصة التقليدية.

وفي المحصلة، ينقسم صناع القرار حول جدوى تنفيذ عملية عسكرية مباشرة لانتزاع مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب. فهناك من يرى أن ترك المخزون دون معالجة يعني إبقاء باب نووي مفتوح يمكن لإيران العودة إليه لاحقًا، في حين يعتبر آخرون أن الكلفة البشرية والعسكرية المرتفعة، إلى جانب المخاطر الميدانية، قد تفوق العائد الاستراتيجي المتوقع، خاصة إذا كانت قدرة طهران الفورية على استخدام هذا المخزون محدودة.

أخبار ذات صلة

لوحة في طهران تعرض صوراً لعلماء نوويين

طهران تفاوض بمرونة محسوبة.. هل سيبقى النووي "خطاً أحمر"؟

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC