دخلت "اتفاقيات إسحاق" إلى المشهد الإقليمي والدولي من بوابة القدس يوم الأحد الفائت، حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إطلاق إطار استراتيجي جديد يربط إسرائيل والأرجنتين بشبكة أوسع من الدول المتقاربة في نصف الكرة الغربي، وطرحا إطارًا استراتيجيًا للتعاون الأمني والتكنولوجي.
وتشير "اتفاقيات إسحاق" إلى إطار سياسي وأمني ودبلوماسي أطلقتْه إسرائيل من بوابة الأرجنتين لتوسيع حضورها في أمريكا اللاتينية، ضمن مسار أوسع يركز على تحجيم النفوذ الإيراني في القارة.
الأرجنتين اتخذت قبل الإطلاق بأسابيع خطوة حاسمة عندما صنفت "الحرس الثوري" الإيراني منظمة إرهابية، ثم أعلن ميلي دعمه للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وبذلك دفعت الأرجنتين سياستها الخارجية نحو مشاركة مباشرة في بناء بيئة إقليمية تضيق على شبكات إيران وأذرعها المالية والأمنية والرمزية في القارة اللاتينية.
فيما اختارت إسرائيل الأرجنتين نقطة الانطلاق؛ لأنها تملك موقعًا يسمح بتحويل العلاقة الثنائية إلى بوابة إقليمية، وميلي دفع منذ وصوله إلى الحكم باتجاه إعادة صياغة تموضع بلاده في المنظمات الدولية وفي شبكة التحالفات الغربية، كما رصدت "أسوشيتيد برس" أن الرئيس الأرجنتيني موّل مبادرة تهدف إلى توسيع الروابط بين إسرائيل ودول أمريكا اللاتينية، وعمل على تغيير اتجاه السياسة الأرجنتينية في الأمم المتحدة.
ويمتد هذا المسار خارج الأرجنتين؛ لأن البيئة الإقليمية نفسها تحمل نقاط تماس مباشرة مع الملف الإيراني، فالتقارير البحثية والدراسات الأمنية خلال الأشهر الماضية واصلت رصد نشاط "حزب الله" وشبكات مرتبطة به في المثلث الحدودي بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي، ووثقت أيضًا أن دولًا في المنطقة مثل الأرجنتين وكولومبيا وهندوراس وباراغواي صنفت "حزب الله" تنظيمًا إرهابيًا؛ ما يعني أن جزءًا من البنية القانونية والسياسية اللازمة لتوسيع الطوق على إيران صار متوافرًا سلفًا.
تدير إسرائيل ملف إيران في أمريكا اللاتينية عبر مستويات متداخلة، فالطبقة الأولى دبلوماسية وتستهدف نقل مزيد من حكومات القارة إلى موقع أكثر تشددًا داخل الأمم المتحدة، وتدرك تل أبيب أن أي تغيير تدريجي في هذا الحقل يمنحها قدرة أعلى على عزل إيران سياسيًا، والتجربة الأرجنتينية تمنحها نموذجًا قابلًا للاستنساخ؛ لأن ميلي عدّل بالفعل اتجاه التصويت الأرجنتيني في ملفات مرتبطة بإسرائيل وغيّر البنية السياسية التي تدير هذا الملف في وزارة الخارجية.
الطبقة الثانية أمنية واستخباراتية، فمذكرة مكافحة الإرهاب التي وقعتها الأرجنتين مع إسرائيل خلال إطلاق الاتفاقيات تمنح الطرفين أرضية لتبادل المعلومات والتنسيق الأمني، وهذا المسار ينسجم مع الخط الذي دفعته الولايات المتحدة في المنطقة خلال العام الأخير، حيث شدد الجنرال فرانسيس إل. دونوفان قائد القيادة الجنوبية الأمريكية في مارس/ آذار الماضي على أولوية الشراكة الإقليمية في مواجهة الشبكات العابرة للحدود.
كما تتلاقى هذه المقاربة مع الحملة الأمريكية المكافئة التي رصدت نشاط "حزب الله" في المثلث الحدودي، ورفعت المكافآت مقابل معلومات عن شبكاته؛ ما يعني أن "اتفاقيات إسحاق" تندمج مع بنية أمنية أمريكية إسرائيلية أوسع ترمي إلى رفع الكلفة على إيران وشبكاتها في القارة.
يحمل الإطار الجديد معنى أوسع من التعاون بين دولتين؛ لأن إسرائيل تستهدف إعادة تعريف القارة في الوعي الأمني الغربي، فبدلًا من التعامل معها كساحة بعيدة عن التوترات الشرق أوسطية، تدفع تل أبيب نحو تثبيت صورة القارة كميدان نشط للشبكات الإيرانية المالية والدعائية والأمنية.
وقد رصدت دراسات حديثة توسع الحضور الأيديولوجي الإيراني في أكثر من 80 مركزًا عبر أمريكا اللاتينية، كما ربطت دراسات أخرى بين شبكات "حزب الله" في المنطقة وبين التهريب وغسل الأموال والاقتصادات غير الرسمية، وهذا التراكم يوفر لإسرائيل ذخيرة سياسية جاهزة تبرر بها نقل المواجهة مع إيران إلى المجال اللاتيني وتعبئة الحكومات المحافظة والأجهزة الأمنية حول هذا الهدف.
في هذا السياق تكتسب البرازيل وباراغواي وكولومبيا والمثلث الحدودي وزنًا خاصًا، فهذه الجغرافيا تمثل في النظر الأمني الأمريكي والإسرائيلي منطقة تماس مفتوحة بين التجارة غير المشروعة والشبكات الحزبية الإيرانية وحركة الأموال الرمادية، وهذا يعكس أن "اتفاقيات إسحاق" تمنح هذا المسار عنوانًا سياسيًا جديدًا وقدرة أكبر على جمع الملفات المبعثرة تحت سقف واحد.
وتسير "اتفاقيات إسحاق" نحو بناء محور سياسي أمني تكنولوجي يمتد من تل أبيب إلى بوينس آيرس، ثم يدفع نحو التوسع في دول أخرى، مستفيدًا من الاندفاعة الأرجنتينية، والدعم الأمريكي، والملف الأمني المفتوح في القارة، بما ينقل الضغط على إيران إلى مجال عابر للأقاليم تديره الحكومات وأجهزة الأمن والأسواق.