لا يوجد حتى اللحظة أي تأكيد من جانب الإدارة الأمريكية حول موعد ومكان جولة مفاوضات جديدة مع إيران، لكن المؤكد من قبل أركان الإدارة هو تلك الإشارات التي تقول إن جولة جديدة سوف تعقد في نهاية الأسبوع.
وعلى الرغم من دخول نهاية الأسبوع زمنيا إلا أنه لا تفاصيل معلنة من جانب الرئيس ترامب أو كبار مساعديه حول ترتيبات الجولة الجديدة المحتملة مع إيران.
وعلى العكس من ذلك تماما، هناك تأكيدات متتابعة من جانب الرئيس دونالد ترامب أن كل شيء كان محل خلاف مع إيران بات الآن في حكم المؤكد، أي أنه بات ضمن دائرة اتفاق أمريكية إيرانية اقترب منها الطرفان بصورة لا تصدق بالنظر إلى تسارع الأحداث في الساعات القليلة الماضية ونسبة التفاؤل القياسية التي طبعت تصريحات الرئيس ترامب.
في خطاب أمام أنصاره في ولاية "أريزونا" عاد الرئيس ترامب إلى ذلك التصريح الذي كان قاله في وقت سابق في حديقة البيت الأبيض أثناء حديثه للمراسلين الصحفيين بأن أزمة مضيق هرمز انتهت إلى الحل الكامل.
وهذا هو الأمر الوحيد حتى اللحظة الذي تطابقت بشأنه التصريحات الأمريكية الإيرانية بتأكيد مشترك على أن الإيرانيين أعادوا فتح المضيق بصورة كاملة وأن هناك تعاونا أمريكيا إيرانيا سوف يتشكل لإزالة الألغام التي كانت إيران زرعتها في مياه الممر العالمي.
في جانب مستقل، أعاد الرئيس ترامب التأكيد على مسألة خلافية سابقة مع طهران بقوله إن حل أزمة المضيق بصورة نهائية لا يعني أن الولايات المتحدة سوف ترفع حصارها البحري عن إيران، مشيرا إلى أن حالة الحصار سوف تظل قائمة من دون أي تعديل إلى غاية التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني كامل وشامل في جميع القضايا الخلافية الأخرى.
وعند حديثه عن المسألة النووية أسقط ترامب كل المخاوف التي قدرت أن النقطة الخلافية الجوهرية بين مفاوضي البلدين تعود إلى الملف النووي عندما قال إن إيران قبلت بألا تكون لها أية طموحات نووية.
وسعى ترامب ليظهر في صورة الرئيس المختلف عن الرئيس السابق باراك أوباما الذي كان سلم مبالغ مالية نقدا لطهران في أعقاب التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي العام 2015.
ولذلك أعاد ترامب التأكيد لأكثر من مرة واحدة أن إدارته لن تسلم أية أموال نقدا من تلك المبالغ التي يطالب بها الإيرانيون والمقدرة بعشرين مليار دولار كجزء من اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن.
تصريحات الرئيس ترامب التي حاول من خلالها أن يقدم صورة إيجابية عن المسار الحالي للمفاوضات مع طهران أثارت أسئلة أخرى من جانب المتابعين لتطورات الحرب هنا في العاصمة واشنطن حول ما هو المقابل الذي حصل عليه الإيرانيون في مقابل هذه القائمة من التنازلات التي قدموها للمفاوض الأمريكي.
من جانب الإدارة لأمريكية لا توجد إجابة محددة في هذا الخصوص، لكن ترامب أبلغ مناصريه من قاعدته الانتخابية في واحدة من أكبر الولايات الجمهورية سياسيا أنه نجح في إنهاء ثماني حروب منذ وصوله إلى البيت الأبيض قبل قرابة العام ونصف العام، وأنه الآن بصدد إضافة حربين إلى قائمة الحروب التي أوقفها في إشارة إلى حرب إيران وحرب لبنان.
عن اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان قال ترامب لأنصاره، إنه نجح في وضع اتفاق بين لبنان وإسرائيل هو الأول من نوعه منذ سبعين عاما، مجددا التأكيد على سعيه بأن يجعل لبنان "عظيما" مرة أخرى.
وأشار ترامب إلى أن هذه النجاحات ما كانت لتتحقق لولا إدارته في البيت الأبيض، لكن من دون أن يقدم أية تفاصيل عن كيفية ضمان استمرار اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران لوقت أطول في حال عدم تقدم المفاوضات بالصورة التي قدمها لأنصاره. والأمر كذلك ينطبق على اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في لبنان.
كان لافتا أن قاعدة ترامب السياسية من الجمهور الحاضر لتجمعه السياسي بولاية أريزونا تشاركه المشاعر السلبية في موقفها من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو".
كان واضحا أن حديث الرئيس ترامب عن الحلفاء التاريخيين والتقليديين للولايات المتحدة في القارة الأوروبية قوبل بصافرات الاستهجان من قبل أنصاره في قاعة التجمع، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الأمريكيين بالنظر إلى قدسية العلاقة تاريخيا وعسكريا وسياسيا في تاريخ حلفاء ضفتي الأطلسي.
ترامب أبلغ مناصريه عن اتصالات جاءته من قادة دول الحلف يعرضون فيها المساعدة على الولايات المتحدة في حل أزمة المضيق في مرحلة ما بعد الاتفاق.
وقال ترامب في هذا الصدد إنه أبلغ قادة دول الحلف أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى مساعدتهم في الوقت الحاضر. والأمر يشبه أولئك الذين عرضوا عليه المساعدة عندما فاز بالانتخابات.
الولايات المتحدة طلبت المساعدة من هذه الدول لكنها لم تستجب، أما الآن فإنها لا تريد هذه المساعدة.
ووجد ترامب في هذه المناسبة فرصة لإعادة جزء من أحاديثه القديمة الجديدة في هذا الخصوص عندما قال إن الولايات المتحدة صرفت تريليونات الدولارات في سبيل تأمين حماية الدول الأعضاء في الحلف ولعقود من الزمن لكنها عند الحاجة إليهم لم تجد المساعدة المطلوبة منهم.
ومن الواضح من وجهة نظر محللين مستقلين أن هذا الخطاب لن يساعد في تحقيق أي تقدم في الأزمة العالقة حاليا بين الولايات المتحدة وحلفائها، بالقدر الذي سوف يعمق من الخلافات القائمة ويوسع من دائرة الشك، التي باتت تطبع العلاقات بين ضفتي الأطلسي منذ عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض.
خطاب الرئيس ترامب لم يخلُ من رسالة شكر للوسيط الباكستاني الذي يدير جهود الوساطة القائمة حاليا على مدار الساعة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي الوساطة التي تحدث عنها بالكثير من الثناء خاصة لكل من رئيس الوزراء الباكستاني وقائد الجيش، وكلاهما كما قال ترامب كان له دور محوري وكبير في ما تم التوصل إليه حتى الآن من مساعي التوسط بين طرفي الحرب القائمة في الشرق الأوسط.
وقدم ترامب شكرا آخر للحلفاء التقليديين من دول الخليج، الإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين، وهي الدول التي قال إنها اتخذت قرارات شجاعة في هذا الوقت العصيب.
واحد من الأسئلة الكبيرة التي تطرح هنا في واشنطن هو ذلك السؤال حول وجود ترتيب على مستوى البيت الأبيض بالعودة مجددا إلى جلسات التفاوض مرة أخرى مع الجانب الإيراني، مثلما كان عليه الأمر نهاية الأسبوع الماضي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.
بصيغة الاحتمال لا أكثر، تحدث الرئيس ترامب خلال أيام الأسبوع عن هذه المسألة مع التأكيد من جانب مسؤولي البيت الأبيض على أن المفاوضات لا تزال مستمرة.
ويقول مقربون من البيت الأبيض إنه لم يعد هناك الكثير من الوقت أمام نفاد اتفاق وقف إطلاق النار الذي سوف ينتهي الثلاثاء المقبل.
ومن جهته يقول البيت الأبيض إن لا اتفاق حتى الآن بشأن تمديد وقف إطلاق النار لفترة أطول، لكن لا تأكيد حتى الآن على الأقل عن وجود اتفاق بعودة مؤكدة إلى طاولة التفاوض.
هناك صيغة مفتوحة يتحدث بها البيت الأبيض عن هذه المسألة بالقول إن هناك احتمالا بعودة للمفاوضات، لكن لا مكان أعلن ولا زمان محددا لهذه المفاوضات حتى وإن كان حديث البيت الأبيض يشير إلى إمكانية عقد جولة جديدة خلال نهاية الأسبوع الحالية.
في مقابل ذلك يقول الرئيس ترامب إنه لا يمانع شخصيا في السفر إلى إسلام آباد في حال حصول اتفاق إيراني باكستاني، وهو أمر اختلفت وجهات النظر بشأنه بين سياسيي العاصمة واشنطن بين مؤيد ومعارض لإمكانية سفر الرئيس لدعم مسار تفاوضي لا يزال غامضا في الكثير في تفاصيله حتى الآن.
ليس هذا هو الغموض الوحيد الذي يرتبط بأحاديث الرئيس ترامب عن اتفاق محتمل مع إيران، فلا يزال الوضوح غائبا عما يقصده الرئيس ترامب بقوله إن الولايات المتحدة سوف تجلب غبار المنشآت النووية التي استهدفها الهجوم الأمريكي في حرب الاثني عشر يوما الصيف الماضي. كيف سيتم ذلك من الناحية العملية؟ لا تفاصيل متاحة في أحاديث مسؤولي الإدارة ومقربيها.