تحولت عواصم ومدن أوروبية، من برلين وباريس إلى ستوكهولم وأمستردام وبروكسل، في السنوات الأخيرة، إلى مسرح مفتوح أمام تجليات وأجندات سياسية نشأت خارج حدود أوروبا، لكنها وجدت في الفضاء الأوروبي بيئة مواتية للتعبير، وأحيانا للتصادم.
ومع تزايد أعداد القادمين من بؤر التوتر والصراع في الشرق الأوسط، فإن مظاهراتهم كادت أن تصبح جزءا من الحياة اليومية في أوروبا، مستثمرين القوانين الأوروبية المتساهلة التي تحرص على حق التعبير والتجمع والتظاهر بغض النظر عن الخلفيات القومية أو الدينية أو الأيديولوجية لمنظمي هذه الفعاليات.
وما يفسر تزايد عدد المظاهرات هو أن معظم المشاركين فيها كانوا قد فروا، أساسا، من أجواء القمع السياسي والتضييق على الحريات في بلدانهم الأصلية، وقد وجدوا في أوروبا ملاذا آمنا يتيح لهم الإقدام على ما حُرموا منه عبر الاحتجاج والتعبير عن الغضب والجهر بالمسكوت عنه.
ويلاحظ مراقبون أن السلطات الأوروبية تتعامل مع هذه التظاهرات بمرونة تختلف عما يحصل في بلد المهاجر من تضييق وقمع، كما هو الحال حاليا بالنسبة للاحتجاجات الإيرانية، على سبيل المثال، لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه الفعاليات إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أطراف تنتمي إلى البلد الأصلي ذاته، أو إلى امتدادات لصراعات أيديولوجية عابرة للأوطان.
ويرى المراقبون أن هذه التظاهرات تتحول، عندئد، من "ممارسة ديمقراطية"، تصونها الدساتير الأوروبية، إلى ما يمكن وصفه بـ"نقل لجغرافيا الصراع"، وتحويل مدن أوروبية إلى امتداد لـ"طهرن وغزة وبغداد وأنقرة..، بما يحمله ذلك من استقطاب حاد وتهديد للسلم الأهلي.
وكثيرا ما تشهد هذه التظاهرات نوعا من العنف والتجاوزات، كأن ترفع أعلاما ورموزا لحركات مصنفة "إرهابية" وفق اللوائح الأوربية، أو أن تتحول مظاهرة لجالية من بلد واحد إلى مواجهة بين من يؤيد طرفين مختلفين، كما قد يلجأ بعض المتظاهرين إلى مهاجمة سفارات دول مؤثرة بهدف إعطاء زخم لقضيتهم ومطالبهم.
ويتوزع المهاجرون الذين يحملون هذه القضايا والأجندات السياسية في أوروبا الغربية، بشكل أساسي، فيما تكاد تخلو أوروبا الشرقية من هذه الظواهر، إذ تتركز الجاليات الكردية في ألمانيا وفرنسا والسويد وهولندا، بينما يحضر الفلسطينيون بكثافة نسبية في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا.
وتشكل الجالية السورية واحدة من أكبر الجاليات اللاجئة حديثا في أوروبا، مع تمركز واضح في ألمانيا، ثم السويد وهولندا وفرنسا.
وتعد الجالية التركية الأكبر عددا في ألمانيا، مع وجود ملحوظ في النمسا وهولندا، في حين ينتشر الأفغان بشكل أساسي في ألمانيا والسويد والدنمارك، أما الإيرانيون فيتركز وجودهم في ألمانيا والسويد وفرنسا وبريطانيا، حيث ينشط جزء منهم في مجالات سياسية وحقوقية مرتبطة بالوضع الداخلي في إيران.
وهذه الخارطة المعقدة للجاليات الشرق أوسطية في أوروبا لا تشكل كتلا متجانسة، بل تضم تيارات سياسية وإثنية ودينية متباينة، وأحيانا متصارعة، وهو ما يتيح مجالا للانزلاق إلى العنف، خصوصا وأن وسائل الإعلام، والتواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي باتت تلعب دورا كبيرا في تضخيم هذه الفعاليات وتوجيهها في هذا الاتجاه أو ذاك.
وتشير التقديرات إلى أن التظاهرات المرتبطة بالأجندات المستوردة أصبحت متكررة، فقد خرج الفلسطينيون في أكثر من 34 ألف مظاهرة خلال عام 2025 فقط، ضمن دعوات للتضامن مع فلسطين.
وشهدت السنوات الأخيرة اشتباكات محدودة بين مجموعات كردية وتركية في مدن مثل برلين وأمستردام، تحولت في بعض الأحيان إلى مادة إعلامية تُستغل سياسيا، فيما شهدت عواصم أوروبية في الآونة الأخيرة مظاهرات كردية حاشدة، في ضوء المستجدات الأخيرة في سوريا، والتصعيد المؤقت الذي رافق الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، والحكومة السورية.
ويتزايد كذلك نشاط الإيرانيين حيث تنظَّم المظاهرات دعما للحريات في إيران، وشهد بعضها مواجهات مع الشرطة أو احتكاكات في الأماكن العامة، كما حدث في احتجاجات برلين 2025.
أما الأفغان، فينظمون فعاليات سياسية وحقوقية تتعلق بالوضع في أفغانستان، وغالبا ما تمتزج بالاحتجاج على سياسات الهجرة الأوروبية، ما يبرز الدور المتنامي لهذه الجاليات وتأثيرها على المناخ السياسي والاجتماعي.

ويشرح خبراء أن مقطع فيديو واحد مقتطع من سياقه، أو صورة صادمة يتيمة، أو رصد حركة شغب وتمرد، كفيل بأن يحول هذه الفعاليات إلى مادة سياسية تُستثمر على نطاق واسع.
في فرنسا، على سبيل المثال، استُخدمت مظاهرات مؤيدة لفلسطين تخللتها شعارات حادة أو حوادث فردية، لتعميم صورة "التهديد الإسلامي"، وفي السويد، أُعيد توظيف اشتباكات محدودة بين مجموعات كردية وتركية لتغذية خطاب يربط الهجرة بزعزعة الأمن، فيما أثار مقطع فيديو لمهاجمة شباب أكراد، في حادثة فردية، إحدى المحلات في مدينة ألمانية سجالا واسعا.
وشهدت مدينة دوسلدورف الألمانية وقفة نظمها سوريون دعما لتوجهات سياسية داخل بلدهم، تزامنت مع تجمع مضاد، قبل أن تنتشر مقاطع مصوّرة تزعم إلقاء "قنبلة" على المتظاهرين.
ورغم أن الشرطة أوضحت أن ما جرى كانت عبارة عن ألعاب نارية لكن "الشائعة" كانت قد أخذت مفعولها، وأحدثت الجدل المطلوب.
من هنا، يرى الخبراء أن الخطير في هذه التظاهرات ليس الحدث بحد ذاته، بل طريقة تقديمه، أي التركيز على العنف، والتعميم، وإغفال السياق القانوني أو الأعداد المحدودة للمشاركين عبر تضخيمه حينا وتقليصه حينا، وفقا للأجندات المتباينة، وهو ما يرفع، في جميع الأحوال، منسوب الهاجس الأمني لدى السلطات الأوروبية، التي تجد نفسها في اختبار بين مراعاة قيمها "المتسامحة"، وبين ضبط الشارع عبر الملاحقة والتضييق، حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة.
وتفيد التحليلات السياسية أن هذه "الأجندات المستوردة" تمثل هدية مجانية لليمين الأوروبي المتطرف، الذي وجد في أحداث متفرقة تشهدها التظاهرات، مادة مثالية لتعزيز سرديتها، وتوطيد خطابها المعادي أصلا للاجئين والمهاجرين.
ففي ألمانيا، يقول حزب "البديل من أجل ألمانيا"، اليميني، إن الدولة "فشلت في فرض النظام على المهاجرين"، فيما يربط مثيله الفرنسي "التجمع الوطني" بين الهجرة و"فقدان السيادة".
وفي هولندا، يحذر حزب خيرت فيلدرز من "الولاءات العابرة للحدود"، ويتخذ منها ذريعة لتشديد سياسات الهجرة. وفي إيطاليا، تستخدم أحزاب اليمين، وفي مقدمتها "إخوة إيطاليا"، ذريعة "حماية الأمن والهوية الوطنية" لتبرير تشديد الرقابة على اللاجئين.
أما في بريطانيا، فيربط التيار المحافظ الشعبوي بين الهجرة و"تهديد التماسك الاجتماعي"، مستثمرا أي توتر مرتبط بجاليات مهاجرة للدفع نحو سياسات لجوء أكثر صرامة.
وكانت بريطانيا شهدت نشاطا مكثفا لحركة "فلسطين أكشن" في 2025، حيث نظمت مظاهرات واعتصامات ضد السياسات الإسرائيلية في غزة، بمشاركة آلاف المحتجين.
وأدت بعض التحركات إلى اشتباكات مع الشرطة واعتقال عدد من المشاركين قبل أن تقرر الحكومة البريطانية، لاحقًا، تصنيف الحركة "إرهابية".
ويلاحظ الخبراء أن اليمين الأوروبي لا يميز في خطابه بين متظاهرين سلميين يطالبون بتحقيق أهداف معينة في بلدانهم، وبين أقلية تسعى لإثارة الشغب، إذ تضع كل المتظاهرين في سلة واحدة، علما أن بعضهم يرفعون مطالب عادلة، فيما قد تكون هناك أقلية تدعو لأجندات لا تتناسب مع التوجهات الأوروبية.
وتتمثل خطورة هذا "التعميم"، بحسب خبراء، في أن اليمين بات يؤثر فعليا في برامج الأحزاب التقليدية، التي شرعت، بدورها، في تشديد لغتها حيال اللجوء، خوفا من فقدان أصوات الناخبين، ما يعني أن تظاهرات اللاجئين لعب دورا، من دون تعمد، في تغيير المشهد السياسي والحزبي في البلدان الأوروبية.
ومن المعروف أن هذا الخطاب اليمنيي التحريضي، حسب وصف الخبراء، نجح في تحقيق بعض أهدافه، فقد تم توسيع صلاحيات الشرطة في مراقبة التظاهرات، مع ربط أكثر وضوحا بين "الاندماج" و"الالتزام بالقيم الأوروبية"، فضلا عن إمكانية الترحيل أو سحب الإقامات أو الجنسية.
ولا يقتصر تأثير "الأجندات المستوردة" على الجانب السياسي، بل تمتد لتترك بصماتها على المشهد الاجتماعي بأكمله، إذ تُسهم في تعميق التوترات بين المجتمعات المضيفة وبين المهاجرين، بحيث تصبح فرص التفاعل الإيجابي محدودة أكثر، فيما يزداد خطر العزلة المجتمعية للمهاجرين داخل المدن الأوروبية، وهو ما ينعكس سلبا على "الوئام الاجتماعي"، إذا صح التعبير.
ويوضح الخبراء أن هذه المعادلة تخلق بيئة جديدة يختبر فيها الأوربيون قدرتهم على التكيف مع تنوع الخلفيات والولاءات والمرجعيات، دون إخلال بالقوانين المتبعة.
ووسط هذه الأجواء المشحونة، تعيش الجاليات المهاجرة نفسها تحت ضغط مزدوج، فهي من جهة مشدودة، سياسيا وعاطفيا، إلى قضايا بلدانها الأصلية، ومن جهة أخرى تعاني من النظرات المريبة للمجتمع المضيف، الذي قد يتحول، في لحظة، من التعاطف إلى الشك.
ويعبر الكثير من أبناء هذه الجاليات عن خشيتهم من أن "الأجندات المستوردة"، وما يرافقها أحيانا من تصرفات أقلية صغيرة إلى عقاب جماعي.
ورغم كل ما سبق، يرى بعض الخبراء أن أوروبا لا تزال توفر فرصة نادرة يمكن استغلالها لنقل "الأجندات المستوردة" من فوضى الشارع إلى النقاش السياسي المنظم، ومن العنف النسبي إلى العمل الحقوقي، ومن المظاهرات الغاضبة إلى المناظرات الهادئة...طالما أن القوانين الأوروبية تسمح بذلك، بل وتشجعه.
ويشدد الخبراء على أن هذه الآليات والممارسات، وإن بدت "أقل ضجيجا"، إلا أنها تخدم بشكل أنسب تلك الأجندات المستوردة، وتضعها تحت المجهر السياسي والقانوني والإعلامي، خصوصا وأن من الغُبن، وفقا للخبراء، اختزال وجود اللاجئين والمهاجرين في مشاهد التوتر والصدام، فالغالبية حققت اندماجا وانخرطت في سوق العمل، وهذه نقاط مضيئة يمكن التركيز عليها بدلا من استثمار شرارة صغيرة لتتحول إلى حجة كبرى.
وبهذا المعنى، فإن التحدي اليوم، كما يبين الخبراء، ليس في منع التعبير، بل في ترشيده، وفي إدراك أن الفضاء الديمقراطي الأوروبي ليس ساحة بلا ثمن، فكل صراع يُنقل دون وعي إلى شوارع أوروبا، قد يتحول، دون قصد، إلى سلاح في يد من يريد، ليس فقط إغلاق الشوارع، بل القارة العجوز برمتها، في وجه المهاجرين واللاجئين.