logo
العالم

الإليزيه "يتمرد".. فرنسا تكسر الحصار الأمريكي وتطرق أبواب موسكو

لقاء سابق بين ماكرون وبوتينالمصدر: رويترز

في خطوة وُصفت بأنها انقلاب استراتيجي على التقليد الأوروبي، بدأت باريس تحركًا دبلوماسيًّا لافتًا تجاه موسكو، يقوده مستشار سياسي رفيع المستوى لاختبار مسارات الحوار المباشر.

وتأتي هذه الخطوة الفرنسية الجريئة وسط تصاعد الصدام المكتوم مع إدارة ترامب الثانية، حيث تسعى فرنسا لتحويل الاستقلال الاستراتيجي من شعار إلى واقع ملموس، في محاولة لكسر التفرد الأمريكي بالملفات الدولية الكبرى وإيجاد توازن أوروبي جديد بعيداً عن ضغوط واشنطن. 

أخبار ذات علاقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين

لافروف: بوتين مستعد لتلقي اتصال من ماكرون لإجراء نقاش "جدي"

حذر روسي

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شدد على أن التحضيرات تجري بشفافية كاملة، وبالتنسيق مع أوكرانيا والشركاء الأوروبيين الرئيسيين، مؤكدًا على جدية الخطوة الفرنسية في استعادة قنوات الحوار التقنية مع روسيا. 

من جهتها، حافظت موسكو على موقف حذر، إذ أكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن الاتصالات مع فرنسا تقتصر حاليًا على المستوى الفني دون أي تواصل رفيع مع القيادة الروسية، مؤكدًا أن روسيا لا تزال ترفض استئناف الحوار السياسي المباشر مع باريس.

ويأتي التحرك الفرنسي في سياق تصاعد التوتر مع واشنطن، بعد أزمة غرينلاند  والانتقادات المتكررة للسياسة التجارية الأمريكية، حيث اعتبر ماكرون أن أوروبا بحاجة لبناء سيادة اقتصادية واستراتيجية قوية لتجنب التبعية وسياسات القوة. مؤكدًا أن أوروبا تستطيع فرض نفسها إذا تحركت بشكل موحد.

وأكدت تصريحات ماكرون الأخيرة في "دافوس"، أن أوروبا يجب أن تتحرر من القبول السلبي بقانون الأقوى أو اتخاذ مواقف أخلاقية بحتة تؤدي إلى التهميش، وضرورة تطوير اقتصاد استراتيجي متكامل يدعم الدفاع والسيادة الأوروبية.

طريق وعر

ووفقاً للمراقبين، فالطريق ليس سهلاً، خاصة وأن فرنسا تواجه تحديات داخلية وخارجية متعددة، بينها عجز الموازنة بنسبة 5.8% والدين العام الذي بلغ 114% من الناتج المحلي، بالإضافة إلى المعارضة الألمانية الصريحة لإعادة فتح الحوار مع موسكو، وتحذيرات دول أوروبا الشرقية من أي خطوة قد تبدو تنازلية أمام روسيا.

وفي الوقت نفسه، تصاعدت التحليلات الأوروبية التي ترى أن التحرك الفرنسي محاولة لإعادة رسم خريطة النفوذ الأوروبي وإظهار قدرة باريس على مواجهة التفرد الأمريكي، خاصة مع احتمال انسحاب واشنطن جزئيًا من الالتزامات العسكرية والتجارية في البحر المتوسط.

ويرى خبراء أن التحرك الفرنسي تجاه موسكو يعكس محاولة أوروبية متأخرة لكسر حالة التهميش التي فرضها التفرد الأمريكي بالمسار التفاوضي في الأزمة الأوكرانية، في ظل إدراك متزايد بفشل العقوبات في إضعاف روسيا. 

وأضاف الخبراء، أن ضعف القدرات الأوروبية، والتقدم الروسي ميدانيًا، إلى جانب الضغوط السياسية والاقتصادية الأمريكية دفعت باريس إلى التحرك استباقياً لاستعادة دور أوروبي مستقل.

أخبار ذات علاقة

ماكرون خلال زيارته غرينلاند

"رسالة سياسية إلى ترامب".. كندا وفرنسا تفتتحان قنصليتين في غرينلاند

انفتاح متوقع

وأكد د.سمير أيوب، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، أن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عزمه التواصل مع روسيا بحثًا عن حل للصراع الأوكراني لا يمثل تحولاً مفاجئاً.

وكشف أيوب في حديث لـ«إرم نيوز» أن دلالته الراهنة تكمن في كونه المحاولة الثانية خلال أقل من شهر تعكس حالة يأس أوروبية متزايدة من إمكانية هزيمة روسيا أو كسرها عبر العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي.

وأضاف، أن أوروبا تعاني ضعفاً بنيوياً حال دون امتلاكها القدرات الاقتصادية وموارد الطاقة الكافية لخوض مواجهة طويلة الأمد مع موسكو. مشيراً إلى أن هذا الضعف تفاقم بفعل التدهور في العلاقات الأوروبية الأمريكية، خاصة على خلفية الخلافات المرتبطة بملف جزيرة غرينلاند، رغم استمرار اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة كمظلة أمنية ومصدر رئيسي للطاقة بعد القطيعة مع روسيا.

وأوضح أن التقدم العسكري الروسي، ولا سيما في إقليم دونباس، عزز من حالة القلق داخل العواصم الأوروبية وخشية انتقال تداعيات أي حسم ميداني إلى دول أوروبية أخرى. 

وأضاف د. سمير أيوب، أن هذا القلق يتصاعد في ظل استفراد واشنطن بالمسار التفاوضي، حيث تُدار المفاوضات بين موسكو وكييف بوساطة أمريكية شبه حصرية، مع غياب أوروبي واضح عن طاولة القرار.

انحسار التأثير

وأكد أيوب أن محاولات أوروبا عرقلة هذه المفاوضات تعكس شعوراً بالضعف والتهميش أكثر مما تعكس قدرة حقيقية على فرض شروط، محمّلًا أوروبا مسؤولية هذا الوضع نتيجة انخراطها المباشر في الصراع ورفضها منذ البداية التعاطي الجدي مع المطالب الأمنية الروسية.

وأشار إلى أن أي تحرك يقوم به ماكرون لفتح قنوات اتصال مع موسكو لن يكون منفصلًا عن الإطار الأوروبي العام، رغم سعي باريس لتقديم نفسها كقوة قادرة على إحداث اختراق.

وأضاف، أن روسيا لا تفاوض من أجل التفاوض، بل تشترط معالجة الأسباب الجذرية للصراع، وترفض الطروحات الأوروبية المتعلقة بنشر قوات أوروبية في أوكرانيا باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

وأشار أيوب إلى أن دعوة ماكرون لإعادة فتح قنوات الاتصال تحمل أبعادًا إعلامية وسياسية لتعزيز الدور الفرنسي داخل أوروبا، إلا أن وزنها الفعلي يبقى مرهونًا بالواقع الميداني وبمدى استعداد أوروبا للانخراط في تفاوض جدي.

أخبار ذات علاقة

إيمانويل ماكرون

من أجل "الاستقلال الأوروبي".. ماكرون يحضّر اجتماعًا لقادة القارة

وصاية واشنطن

من جانبه، أكد كارزان حميد، الخبير في الشؤون الأوروبية، أن الأوروبيين منذ اندلاع الصراع الروسي الأوكراني، اصطفوا بالكامل خلف الولايات المتحدة، وتركوا المسارين السياسي والدبلوماسي بيد البيت الأبيض دون الحفاظ على هامش مناورة مستقل.

وأضاف في حديث لـ"إرم نيوز"، أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض شكّلت صدمة لبروكسل، إذ سرعان ما تكشّف تعامل واشنطن مع أوروبا بوصفها طرفًا ثانويًا داخل الاستراتيجية الأمريكية. 

وأشار إلى أن منتدى "دافوس" شكّل لحظة كاشفة لهذا الخلل، بعدما أوضح ترامب موقع أوروبا الحقيقي في الحسابات الأمريكية، وهو ما أثار امتعاض عدد من القادة الأوروبيين وفي مقدمتهم ماكرون.

وأوضح كارزان حميد، أن العالم يتجه نحو نظام دولي بلا قواعد واضحة، تتصدر فيه الولايات المتحدة المشهد كقوة ضاغطة، ما دفع فرنسا لإعادة النظر في أولوياتها انطلاقًا من قناعة بأن الجغرافيا الروسية أكثر ثباتًا من الوعود الأمريكية المتقلبة.

انعطافة حذرة

وأكد حميد، أن قنوات التواصل بين باريس وموسكو لم تنقطع بالكامل، بل جرى تفعيلها تدريجيًّا منذ الاتصال الهاتفي بين بوتين وماكرون، بالتوازي مع توجه قوى أوروبية أخرى إلى المسار نفسه بدوافع تتعلق بالطاقة والاقتصاد، وبالشكوك المتزايدة حيال التزام واشنطن بتعهداتها الأمنية.

وأشار إلى أن أوروبا تعاني مما وصفه ماكرون بـ"التنمر الأمريكي" عبر أدوات الطاقة والتجارة والضغط السياسي، محذرًا من أن الاستمرار في صراع استنزافي طويل مع روسيا دون تقدم ميداني واضح بات خيارًا غير قابل للاستمرار.

وأكد حميد أن التحرك الفرنسي نحو موسكو يعكس محاولة استباقية لاستعادة دور أوروبي مستقل في ظل تفرد أمريكي متزايد بالقرار الدولي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC