logo
العالم

من التهديد إلى التفاوض "الإيجابي" مع إيران.. ما الذي نزع فتيل الحرب؟

جدارية مناهضة لواشنطن على سفارتها السابقة في طهرانالمصدر: أ ف ب

من التهديدات والوعيد، إلى الحديث عن "أجواء إيجابية جداً" في المفاوضات بين واشنطن وطهران.

ما السر الذي جعل تلك الانعطافة الحادة ممكنة؟ وهل كان التلويح بالحرب مجرد ضغط على  إيران كي تقبل بالتفاوض؟ أم أن ذلك يعكس أن طهران استفادت من "دروس النار" خلال حرب الـ 12 يوماً، وأن ما حدث، بالتالي، لم يكن مجرد انعطافة من أقصى التلويح بحرب شاملة، إلى البدء بمسار سياسي، قدر ما يبدو أنه يعكس تحولاً جذرياً في قواعد الحرب؟

أخبار ذات علاقة

العلمان الإيراني والأمريكي على طاولة مفاوضات

"أجواء جدية".. التلفزيون الإيراني يعلق على مفاوضات مسقط

من الدفاع إلى الهجوم

بعد أقل من يومين على نهاية الحرب الإسرائيلية الإيرانية (التي شاركت فيها واشنطن)، توجه وزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده إلى الصين في أول زيارة خارجية له، وكانت المناسبة حضور اجتماع وزراء دفاع الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون.

ورغم أن العلاقات الصينية الإيرانية تعود لعقود، إلا أنها تسارعت بوتيرة ملحوظة بعد حرب الـ 12 يوماً التي استمرت من 13 يونيو حتى 24 منه، وشكلت مفصلاً حاسماً في الصراع الإيراني الأمريكي، إذ واجهت إيران مخاطر وجودية حقيقية، بعدما طالت الاغتيالات بعض قادتها العسكريين والعلماء النوويين، كما خسرت كثيراً من مواقعها سواء النووية أو الصاروخية، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن في حينه أن الضربات الأمريكية أدت إلى القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وأنها "طمست" المواقع النووية.

ورغم الرد الصاروخي الإيراني غير المسبوق، إلا أن إيران بدت مكشوفة أمام الطيران الإسرائيلي الذي نفذ هجمات كان بعضها من فوق العاصمة طهران، وفي المقابل لم تستطع إسرائيل أو الولايات المتحدة تحقيق هزيمة كاملة لإيران، ليبقى شبح الحرب يخيّم على المنطقة كلها.

في تلك الحرب تأخر الرد الإيراني الصاروخي على إسرائيل، نسبياً، وبقيت السياسة الإيرانية المعروفة بـ"الصبر الاستراتيجي" حاضرة فيها، إلا أن التدخل الأمريكي جعل طهران تفكر بالمضي خطوة إلى الأمام عبر التحول من "العقيدة الدفاعية" إلى "الهجومية"، بما يعني أن سياسة التدرج بالرد لن يكون لها دور في أي حرب، إذ سيكون الرد فورياً، وبأقصى الإمكانات، لأن القواعد التي فرضها التدخل الأمريكي بقواه الهائلة، لا يسمح بالتدرج في الرد.

وقبل أيام أعلن رئيس هيئة الأركان الإيرانية اللواء عبدالرحيم الموسوي بعض تفاصيل ذلك التحول في العقيدة القتالية قائلاً إنه "بعد حرب الـ12 يوماً واستمرار الإجراءات الخبيثة الأمريكية الصهيونية، قمنا بمراجعة العقيدة الدفاعية للبلاد، وغيرناها إلى عقيدة هجومية للقوات المسلحة تعتمد على منهجية العمليات الخاطفة واسعة النطاق، باعتماد استراتيجيات عسكرية غير متكافئة وساحقة".

وأضاف: "بناء على ذلك، فإن تحركنا سيكون سريعاً وحاسماً وخارج الحسابات الأمريكية".

أخبار ذات علاقة

جنود من جيوش أوروبية

مفارقة الرد الإيراني.. "زعيمة حروب الوكالة" تصنف جيوش أوروبا "إرهابية"

قدرات أكبر وإعادة هيكلة

وتأكيداً على ما أعلنته طهران، قبل نحو شهر، من أن إنتاجها الدفاعي ارتفع في الكم والنوع عما كان عليه قبل "حرب الـ12 يوماً"، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن إيران استطاعت خلال الأشهر التي أعقبت الحرب أن تنجح في إصلاح عدد كبير من منشآت إنتاج وتخزين الصواريخ الباليستية التي تضررت جراء الضربات.

ونقلت الصحيفة عن خبراء أن الأولوية الاستراتيجية لطهران تتمثل في استعادة القدرة على الردع عبر تهديد إسرائيل والمصالح الأمريكية في حال تكرار الهجمات على منشآتها.

وحسب صور التقطتها أقمار اصطناعية فإن منشآت إيرانية عادت إلى النشاط خلال أشهر بعد الحرب، ومنها منشأة شهرود التي تُعد أكبر وأحدث مصنع لإنتاج الصواريخ ذات الوقود الصلب.

أما التحدي الأبرز الذي أطلقته طهران، فجاء قبل يوم من بدء المفاوضات، حين أعلنت عن صاروخ "خرمشهر 4" (أحد أكثر الصواريخ الإيرانية تطوراً)، في رسالة ذات دلالة واضحة.

وإضافة إلى العمل على تطوير قدرات جديدة دفاعية وهجومية، وإعادة هيكلة القدرات الدفاعية، وترميم المواقع المستهدفة، عملت طهران خلال الأشهر الماضية على إجراءات منها: تشكيل "مجلس الدفاع الوطني" الذي يضم معظم القادة الإيرانيين سواء في الجيش أو "الحرس الثوري" أو الحكومة، واتجهت نحو تعزيز أنظمة الدفاع الجوي، وتوازياً كانت تبعث رسائل سياسية حين تبنت خطاباً أكثر تشدداً تجاه كل من إسرائيل والولايات المتحدة، ومن ذلك أنها طالبت بتعويضات عن حرب الـ 12 يوماً، وبقيت تصر على أنها لن تقبل أي تفاوض حول قدراتها الصاروخية، وإن أبدت مرونة في التفاوض حول برنامجها النووي.

السيطرة على الداخل

أحد أبرز التحديات أمام طهران، تمثّل في الاحتجاجات غير المسبوقة التي شهدتها عدة مدن إيرانية ومنها العاصمة طهران.

وكان لافتاً تصريح ترامب الذي دعا المتظاهرين إلى مواصلة الاحتجاج، ووعد بأن بلاده ستساعدهم وأن عليهم الصبر والاستمرار في التصعيد.

في مقابل ذلك، كان تعامل السلطات الإيرانية مؤشراً على أنها لن تدخر جهداً في منع أي تهديد، وخلال أيام كانت التصريحات الأمريكية فيها تتوعد بحرب شاملة، سيطرت السلطات على الشارع، بعدما فرضت تغطية شاملة قطعت كل اتصال مع البلاد، وهو ما نددت به واشنطن ودول غربية، وتحدثت عن سقوط آلاف الضحايا، قبل السيطرة على الشارع.

شروط التفاوض

بقيت "حرب الـ12 يوماً" ماثلة في خطط وتصريحات وتحركات المسؤولين الإيرانيين خلال الأشهر الماضية، وصولاً إلى العودة إلى التفاوض مع الولايات المتحدة، ورغم أن طهران منيت بخسائر كبيرة فيها، إلا أنها شكلت منعطفاً غيّر سياسة طهران، حتى في مسألة التفاوض.

بقيت واشنطن حتى اللحظة الأخيرة تصر على أنها أجبرت طهران على القبول بالتفاوض ليس فقط حول البرنامج النووي، بل أيضاً حول برنامجها الصاروخي، إضافة إلى دعمها للوكلاء في المنطقة، وهو ما عادت طهران لتنفيه، عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي الذي أكد أن "المفاوضات تتعلق بالقضية النووية فقط". وأعلن "استمرار المحادثات".

نتيجة الجولة الأولى من مفاوضات اليوم، تؤكد أن خيار الدخول في "حرب شاملة" ليس فقط أنه لن يكون في مصلحة أحد، بل إنه قد لا يكون متاحاً، وهو ما يقوله التغيير في السياسة الإيرانية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC