logo
العالم

مفارقة الرد الإيراني.. "زعيمة حروب الوكالة" تصنف جيوش أوروبا "إرهابية"

جنود من جيوش أوروبية المصدر: أ ف ب

عكس تصنيف إيران للجيوش الأوروبية بأكملها "منظمات إرهابية" مفارقة لافتة، فالدولة التي توصف بـ"زعيمة حروب الوكالة"  في المنطقة، والتي بنت خلال العقود الماضية شبكة معقّدة من الميليشيات، تتهم جيوشا نظامية بالإرهاب.

وعبّر الاتحاد الأوروبي عن رفضه قرار إيران، إذ قال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، أنور العنوني، "نرفض الإعلان عن تصنيف جيوش الاتحاد الأوروبي وتوجيه تهمة الإرهاب إليها".

أخبار ذات علاقة

البرلمان الإيراني

"الإجراء المتبادل".. إيران تلاحق الملحقين الأوروبيين بتهمة "الإرهاب"

حالة من الإرباك

وبعيدا عن الموقف الرسمي، يرى خبراء أن الإعلان الإيراني يفتقر إلى المنطق السياسي والقانوني، وهو يعكس حالة من الإرباك تعيشها طهران في ظل ضغوطات واشنطن، وتهديدات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بمهاجمة إيران، وفي أعقاب تصنيف الاتحاد الأوروبي للحرس الثوري الإيراني، النواة الصلبة للنظام، تنظيما إرهابيا.

ومن المعلوم أن إيران، ومنذ ما سميت بـ الثورة الإسلامية عام 1979، لم تكتفِ بـ"تصدير الثورة" أيديولوجيا، بل اعتمدت على نموذج توسعي عسكري ينهض على نقل الصراع خارج حدودها عبر وكلاء محليين يتولون القتال عنها، من اليمن إلى لبنان والعراق، وقبل ذلك في سوريا.

وتفيد تقارير بأن هذا الدور جعل إيران طرفا أساسيا في نزاعات إقليمية عبر أكثر من 30 ميليشيا في اليمن ولبنان والعراق وقبلها سوريا، وجميعها تتلقى دعما من فيلق القدس، القوة الخارجية التابعة للحرس، والذي ارتبط اسمه بدعم فصائل مسلحة متهمة بزعزعة الاستقرار، وتقويض مؤسسات هذه الدولة أو تلك، وتعميق الانقسامات.

وفي ضوء ذلك، يرى مراقبون أن توصيف إيران للجيوش الأوروبية بـ"الإرهاب" يعد قفزا على هذه الوقائع، ومحاولة غير موفقة لخلق سردية معاكسة، فالجيوش الأوروبية، مهما اختلفت المواقف منها، تعمل ضمن أطر قانونية، وخاضعة لرقابة برلمانية وقضائية وإعلامية.

وليس مستبعدا أن تشارك هذه الجيوش في مهمات خارجية مشتركة، ولكن ذلك يتم بغطاء أممي واضح، مع التزام بالمعايير العسكرية المعنية، التي قد تقود جنودا إلى المحاكم في حال تم ارتكاب انتهاكات، لكن العمل عبر وكلاء مسلحين أو جماعات خارج سلطة الدولة ليس ضمن عقيدتها، بأي حال.

رد انفعالي ومتسرع

يعرب خبراء عن اعتقادهم أن هذا الرد الإيراني يؤكد العجز عن تفنيد الاتهامات الموجهة للحرس، فبدلا من إضعاف الحجج والمبررات الأوروبية التي اعتمدها التصنيف الاوروبي، لجأت طهران إلى هذا الرد الانفعالي والمتسرع، والذي لا يعتد به في عالم السياسة.

وما يقلل من قيمة التصنيف الإيراني، بحسب خبراء، هو أنه لم يصدر في لحظة استقرار وثقة بالنفس، بل جاء في ذروة الضعف بفعل الاحتجاجات الواسعة المندلعة منذ أواخر 2025، وما تبعها من قمع دموي، وصفته البيانات الأوروبية بـ"الوحشي" و"المروع".

ويبين الخبراء أن إعلان رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن "جيوش الاتحاد الأوروبي جماعات إرهابية"، لم يكن موجّها إلى بروكسل، بالدرجة الأولى، بل إلى الرأي العام الإيراني الذي يراد له أن يرى في القرار الأوروبي "عدوانا خارجيا"، يتطلب التلاحم مع النظام الحاكم، بدلا من تصعيد الاحتجاج.

وهذا ما أشارت إليه صحيفة "لوريان تودي" التي كتبت أن البرلمان الإيراني اتخذ هذا القرار وسط مشاهد للنواب وهم يرتدون زي الحرس الثوري وهتافات ضد أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما وصفته الصحيفة بأنه "تكتيك سياسي داخلي أكثر منه ردا محترفا على قرار أوروبي". 

وفي ألمانيا، أشارت وسائل إعلام، مثل "دي فيلت" و"بيلد"، إلى أن طهران استدعت السفراء الأوروبيين وهاجمت بروكسل، لكن الصحافة ركزت على الطابع الرمزي والحماسي للرد الإيراني من دون أي أثر عملي ملموس.

سذاجة التصنيف

وبمعزل عن الأصداء الداخلية، فإن الإعلان الإيراني يمثل، من منظور القانون الدولي، نوعا من "السذاجة السياسية"، ذلك أنه جاء كصدى سريع للقرار الأوروبي، فضلا عن بعده الصوري.

ويشرح الخبراء أن التصنيف الأوروبي للحرس الثوري ينطوي على تبعات قانونية ضاغطة عبر تجميد الأصول، وتجريم أي دعم مالي، وتضييق على الحركة، وتوسيع نطاق الملاحقات القضائية، فيما لا يترتب على التصنيف الإيراني أي أثر قانوني، باستثناء البلاغة الخطابية.

ويضيف الخبراء بأن طهران لا تملك أي نفوذ قانوني داخل الفضاء الأوروبي، ولا أدوات لتجميد أصول جيوش أوروبية، ناهيك عن عدم قدرتها على ملاحقة ضباطها وجنودها، ما يجعل الإعلان الإيراني مجرد تصعيد لفظي فاقد لأي قوة تنفيذية.

أوروبا تصنف "الثوري الإيراني" تنظيماً إرهابياً

خطورة التسييس المجاني

يلفت الخبراء إلى أن ما يمكن التوقف عنده في الإعلان الإيراني "المسيس" هو إفراغ مثل هذه التصنيفات التي تأتي بعد دراسات وأبحاث معمقة، من مضمونها الأخلاقي والسياسي والقانوني.

وعلى سبيل المثال، حين تصنف واشنطن "جماعة الإخوان" إرهابية، وكذلك يفعل الاتحاد الأوروبي بخصوص الحرس الإيراني، فإن ذلك لا يأتي اعتباطا بل بناء على معطيات ومؤشرات، تمنح القرار مصداقية. 

أما عندما يستخدم مفهوم "الإرهاب" لوصف جيوش نظامية، كما فعلت طهران، فإن ذلك يحول التصنيف إلى مجرد أداة تعبئة دعائية، دون الاستناد إلى أي معيار قانوني يعزز صوابيته.

ويحذر خبراء من أن الخطر يتمثل في أن يتحول هذا النوع من الردود إلى نمط سياسي سائد، بحيث تُستخدم أخطر المفاهيم القانونية كسلاح لغوي ودعائي بلا ضوابط ومبررات، وهو ما يجعل مفهوم "الإرهاب" مائعا، ومشوشا.

وبالنظر إلى سجل إيران الحافل بالتدخلات والتحريض وعسكرة النزاعات الإقليمية، وفقا لخبراء، يصعب عليها إقناع المجتمع الدولي بأنها ضحية "إرهاب" جيوش تبعد عنها آلاف الكيلومترات.

ويرجح الخبراء أن هذه المواجهة بين طهران وبروكسل ستقود إلى تراجع فرص الحوار وتفاقم أزمة الثقة؛ وهو ما سيزيد عزلة إيران المنساقة برودو أفعال لن تغير شيئا من صورتها "العنيفة في الداخل" والمنخرطة في نزاعات الإقليم، فضلا عن برنامجها النووي، عنوان التوتر الدائم مع الغرب.

أخبار ذات علاقة

قيادات في الحرس الثوري الإيراني

الحرس الثوري: قرار الاتحاد الأوروبي عدائي ويتماهى مع سياسات واشنطن

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC