تزامنا مع اقتراب إكمال الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، تحولت الطرق والسكك الحديدية والموانئ ومحطات الطاقة إلى أهداف لا تقل أهمية عن المدن المتقدمة أو الخنادق الأمامية، وأصبحت القدرة القتالية تقاس بانتظام وصول الوقود والذخائر قبل أي عامل آخر.
تعتمد روسيا على منظومة لوجستية واسعة تستند إلى السكك الحديدية لنقل الإمدادات الثقيلة من عمقها الاستراتيجي نحو مناطق القتال، وهو ما أتاح نقل كميات ضخمة من العتاد، لكنه خلق نقاط اختناق واضحة، مع تركز الإمدادات في محاور يمكن استهدافها.
ومع تطور الحرب، سعت موسكو إلى تقليص هذه المخاطر عبر تقصير خطوط الإمداد والسيطرة على ممرات برية حيوية، خاصة في الجنوب، لضمان اتصال مستمر مع القرم ودونباس.
على الجانب الآخر، بنت أوكرانيا شبكة إمداد أكثر تشتتًا، تعتمد على وحدات صغيرة ومراكز توزيع متحركة مدعومة بتدفق السلاح الغربي. ودفعت الضربات الدقيقة ضد مستودعات الذخيرة ومحطات النقل الروسية خطوط الإمداد إلى الخلف، ورفعت كلفة الدعم الميداني.
وفي الوقت نفسه امتد الصراع اللوجستي إلى الطاقة والبحر، وأصبحت الكهرباء والموانئ جزءًا من المعركة.
ويرى خبراء أن الصراع الروسي الأوكراني تجاوز ساحات الاشتباك المباشر وتحول إلى معركة مفتوحة على خطوط التوريد والبنية اللوجستية، باعتبارها العامل الحاسم في موازين الحرب الحديثة.
وأضاف الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن السيطرة على اللوجستيات لم تعد دورا مساندا للعمليات العسكرية، بل أصبحت سلاحا قائما بذاته، حيث تعتمد روسيا على شبكة سكك حديدية واسعة وقدرات نقل كثيفة تضمن استدامة الإمداد.
وأشار الخبراء إلى أن المعركة الحقيقية تدور حول حماية شبكات الإمداد من جهة، وكشف نمط تدفق الخصم وضربه بدقة من جهة أخرى، في ظل تلاشي مفهوم "العمق الآمن" وتحول الطاقة والطرق والجسور إلى أهداف مركزية.
الخبير العسكري، العميد نضال زهوي، أكد أن اللوجستيات ليست مفهوما طارئا فرضته الحروب الحديثة، بل تُعد "العمود الفقري للجيوش" وركيزة أي صراع عسكري منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.
وقال زهوي في تصريح لـ"إرم نيوز" إن المبادئ العسكرية الأساسية لم تتغير، وفي مقدمتها أن أي معركة لا تقوم على تخطيط وتنفيذ لوجستي محكم تُعد معركة خاسرة مهما بلغ حجم القوة النارية المستخدمة فيها.
وأشار إلى أن الحرب الأمريكية على العراق تمثل نموذجًا واضحًا لأهمية اللوجستيات، حيث كان التفوق اللوجستي ودقة التخطيط والتنفيذ العامل الحاسم في نجاح العملية العسكرية.
ولفت الخبير العسكري إلى أن المادة اللوجستية تُدرس باعتبارها مادة أساسية في الكليات الحربية، لا سيما ضمن برامج الدراسات الاستراتيجية والعسكرية العليا، عند انتقال القادة إلى مستوى التخطيط الشامل للحروب.
وأوضح أن ما يُطلق عليه "التحول اللوجستي" ليس ظاهرة مستجدة، بل سمة ملازمة للجيوش النظامية، مشيرًا إلى أن روسيا اعتمدت منذ بداية الحرب على استهداف القدرات اللوجستية الأوكرانية، سواء في العمق الأوكراني أو على الحدود مع الدول الغربية الداعمة، مثل رومانيا.
وأضاف العميد زهوي أن الضربات الروسية طالت محطات الطاقة، والمحوّلات الكهربائية، ومستودعات الذخيرة، ومخازن الوقود، باعتبارها أهدافًا حيوية تؤثر مباشرة على القدرة القتالية.
وبيّن أن روسيا تمتلك تفوقا لوجستيا واضحا، يعود بالأساس إلى شبكة السكك الحديدية التي أُنشئت منذ الحقبة السوفياتية، وتمتد في مختلف الاتجاهات الأوروبية؛ ما يمنح موسكو قدرة كبيرة على نقل الإمدادات من حيث الكم والنوع.
وأضاف أن أوكرانيا ركزت على استهداف المخازن بعيدة المدى، وضرب خطوط السكك الحديدية تحديدًا، باعتبارها نقطة القوة الرئيسة في المنظومة اللوجستية الروسية، إلا أن موسكو تمتلك قدرة عالية على ترميم هذه الخطوط بسرعة، وتحويل استخدامها بين المدني والعسكري، سواء باتجاه أوروبا الشرقية أو آسيا الوسطى.
وذكر زهوي أن موسكو تراهن على "طول النفس" والقدرة على التعويض السريع؛ إذ إن منظومتها اللوجستية مصممة لتحمّل حرب طويلة، لا حرب خاطفة، بما ينسجم مع العقيدة العسكرية الروسية القائمة على الاستنزاف.
وفي ما يتعلق بالأسلوب الأوكراني، قال الخبير العسكري إن كييف لا تستهدف تدمير الجيش الروسي بالكامل، بل تركز على "شل الأعصاب اللوجستية" عبر وسائل بسيطة ورخيصة ودقيقة، بهدف إرباك خطوط الإمداد وتعطيلها مؤقتًا.
وأشار زهوي إلى وجود نوع من التعادل في التأثير المتبادل على اللوجستيات بين الطرفين، مع بقاء التفوق من حيث الحجم والاستمرارية لصالح روسيا، معتبرًا أن المعادلة القائمة تقوم على سيطرة موسكو على "الكم والاستدامة"، مقابل تركيز أوكرانيا على "التعطيل والتشويش"، في ظل غياب التكافؤ الكامل في الفرص اللوجستية.
من جانبه، أكد الباحث الاستراتيجي، هشام معتضد، أن الحروب العسكرية الممتدة لا يُحسم فيها النصر عند خطوط التماس فقط، بل يتقرر في العمق اللوجستي، موضحًا أن مسرح العمليات الأوكراني تحوّل إلى صراع على "هندسة التدفق".
وأشار الباحث الاستراتيجي في تصريحات لـ"إرم نيوز" إلى أن الطرف القادر على التحكم في إيقاع الحركة، وحجم الحمولة، ومسارات العبور، هو من يحدد القدرة القتالية قبل إطلاق أي ذخيرة، معتبرًا أن اللوجستيات لم تعد خدمة مساندة، بل نظام سلاح مستقلا بحد ذاته.
وذكر معتضد أن العقيدة العسكرية الروسية تقوم على مبدأ "الكتلة النارية المرتكزة على شبكة نقل محمية".
وأوضح أن السكك الحديدية الثقيلة تمثل العمود الفقري لهذه المنظومة، بما تتيحه من نقل كميات ضخمة من الذخائر والوقود وقطع الغيار إلى عقد توزيع قريبة من الجبهة، قبل استكمال النقل عبر شاحنات تكتيكية قصيرة المدى.
وأضاف الباحث الاستراتيجي أن هذا النموذج يمنح روسيا كثافة نيرانية عالية واستدامة طويلة، لكنه يعتمد في الوقت نفسه على حماية العقد الثابتة وخطوط السكك من الضربات بعيدة المدى.
وبيّن أن النموذج الأوكراني المدعوم غربيًا، يتبنى مفهوم اللوجستيات الموزعة والمرنة، عبر الاعتماد على شبكات طرق متعددة، ومخازن صغيرة متناثرة، ونمط "الإمداد حسب الطلب" بدل التخزين الكثيف قرب الجبهة.
وقال معتضد إن المعركة الأساسية تدور حول ما يُعرف بـ"سلسلة القتل اللوجستية"، التي تبدأ بالاستطلاع ثم التتبع فالضرب، وصولًا إلى إعادة الضرب.
وأوضح أن الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية، ووسائل الاستطلاع الإلكتروني، حولت قوافل الإمداد ومستودعات الذخيرة إلى أهداف عالية القيمة، مشددًا على أن كشف نمط الإمداد لدى الخصم يسمح بشل وحداته الأمامية دون اشتباك مباشر.
وذكر معتضد أن العامل الصناعي لا يقل أهمية عن النقل، مشيرًا إلى أن القدرة على تعويض الخسائر في الذخائر والآليات تحدد السقف الفعلي للعمليات العسكرية.
وأضاف أن روسيا تراهن على قاعدة صناعية عسكرية قادرة على الإنتاج الكمي، بينما تعتمد أوكرانيا على تدفقات خارجية متعددة المصادر، معتبرًا أن خط الإمداد الدولي أصبح امتدادًا مباشرًا لساحة المعركة.
وشدد معتضد على أن التفوق اللوجستي لا يعني وفرة الموارد فحسب، بل القدرة على الحفاظ على الإيقاع العملياتي، معتبرًا أن الجيوش تتوقف عن التقدم عندما يتباطأ التدفق حتى لو كانت الذخائر متوفرة نظريًا.
ولفت إلى أن ميزان الحرب يميل في النهاية لصالح الطرف القادر على حماية شبكته اللوجستية وتعطيل شبكة خصمه، مؤكدًا أن السيطرة على الأرض دون السيطرة على طرق الإمداد تبقى مؤقتة.