logo
العالم

استراتيجية الإنهاك.. بيلغورود في قلب "معركة الطاقة" بين موسكو وكييف

من هجوم سابق على بيلغورود الروسيةالمصدر: (أ ف ب)

تتجه الحرب الروسية الأوكرانية بشكل متسارع نحو نمط جديد من الصراع، يتراجع فيه استهداف الجنود لصالح ضرب البنية التحتية للطاقة، في محاولة لنقل المعركة من ساحات القتال إلى العمق المدني، وكسر القدرة على الصمود عبر إنهاك الحياة اليومية للسكان. 

وتبرز مدينة بيلغورود الروسية، الواقعة على الحدود مع أوكرانيا، كنموذج واضح لهذا التحول، بعدما أصبحت هدفا متكررا لهجمات تطال شبكات الكهرباء والطاقة.

وأعلن فياتشيسلاف غلادكوف، حاكم منطقة بيلغورود، أن القوات الأوكرانية شنت هجومًا وصفه بـ"الأضخم" على المدينة، ما أسفر عن أضرار في منشآت الطاقة واندلاع حرائق، دون تسجيل إصابات بشرية. 

وتأتي هذه الضربات في إطار رد أوكراني على هجمات روسية مكثفة استهدفت خلال الأيام الماضية منشآت الطاقة في كييف وخاركيف، وأدت إلى انقطاع الكهرباء والتدفئة عن آلاف المباني السكنية في ذروة الشتاء. 

أخبار ذات علاقة

العلمان الروسي والأوكراني

بين الاتفاق الشامل والتصعيد.. ماذا حققت "المباحثات الثلاثية" حول أوكرانيا؟

وأكدت وزارة الدفاع الروسية، في المقابل، تنفيذ ضربات واسعة على مواقع أوكرانية للطائرات المسيّرة بعيدة المدى ومنشآت طاقة، بالتوازي مع إعلانها السيطرة على قرية ستاريتسيا في منطقة خاركيف، في خطوة تعكس استمرار الضغط العسكري على الجبهة الشرقية.

ويرى مراقبون أن استهداف الطاقة بات أداة مركزية في "حرب الأعصاب" المتبادلة، حيث يسعى كل طرف إلى إظهار قدرته على إرباك الداخل المقابل، وفرض كلفة نفسية واقتصادية تتجاوز الميدان العسكري. 

وأكد الخبراء أن استهداف منشآت الطاقة بدلًا من الجنود يعكس تحولا نوعيا في طبيعة الحرب الروسية الأوكرانية، حيث باتت البنية التحتية للطاقة أداة مركزية لكسر القدرة على الصمود ونقل المعركة من الجبهات إلى الحياة اليومية للمدنيين.

أخبار ذات علاقة

غارة روسية على كييف

هجوم روسي "ضخم" على منشآت الطاقة في أوكرانيا

وأكد مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، الدكتور سعيد سلام، أن الحرب الروسية الأوكرانية تشهد تحولا نوعيا نحو ما يمكن وصفه بـ"حرب استنزاف الطاقة"، حيث لم تعد الطاقة مجرد مورد اقتصادي، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي ونفسي بعيدة المدى في سياق الصراع.

وكشف في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن موسكو تعتمد ما يُعرف بـ"عقيدة الخنق الشتوي" عبر الاستهداف المنهجي لشبكات الكهرباء والغاز، بالتوازي مع ضرب البنية التحتية المدنية، في مسعى واضح لتفكيك الصمود الشعبي ومضاعفة معاناة المدنيين.

وأشار سلام إلى أن هذه الهجمات أدت إلى تدمير أكثر من 40% من القدرة الإنتاجية للطاقة في أوكرانيا، ما تسبب في انقطاع الكهرباء والتدفئة والمياه عن ملايين المواطنين، في ظل ظروف مناخية قاسية، وهو ما فاقم الأزمة الإنسانية، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة. 

ولفت إلى أن كييف تبنّت ما سماه "الردع الاقتصادي النشط"، من خلال استهداف مصافي النفط والموانئ الروسية و"أسطول الظل"، بهدف تجفيف مصادر تمويل الحرب التي تعتمد بشكل كبير على عائدات الطاقة.

واعتبر أن هذا المشهد يعكس صراع إرادات دوليًا، تسعى فيه موسكو إلى إضعاف الدعم الغربي لأوكرانيا عبر إثارة المخاوف النووية واضطراب الأسواق وموجات اللجوء.

وأشار سلام إلى أن المرحلة الراهنة تفرض على المجتمع الدولي بناء "ردع مشترك" يوازن بين دعم كييف ومنع الانزلاق إلى كارثة إنسانية أو نووية واسعة.

أخبار ذات علاقة

جندي روسي

بلا حسم ولا اختراقات.. الحرب الروسية الأوكرانية تغرق في "الاستنزاف"

من جانبه، أكد مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، أن استهداف منشآت الطاقة لا يُعد تفصيلا تكتيكيا عابرا بل انتقال مدروس إلى نمط جديد من الحروب يستهدف كسر القدرة على الصمود قبل كسر الجبهات. 

وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، قال إن نقل الضربة من الجندي إلى المحول الكهربائي يعني توسيع المعركة لتطال الإيقاع اليومي للحياة، وزعزعة ثقة المجتمع بقدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار.

وتابع أن "الطاقة في الحروب الحديثة تحولت إلى ركيزة سيادية أساسية، يرتبط بها عمل المستشفيات والاتصالات والمواصلات وحتى منظومات الدفاع، هو ما يجعلها هدفا مثاليا لإحداث ضغط اقتصادي واجتماعي وسياسي متزامن".

وأوضح أن الفارق بين الخسارة العسكرية والمعنوية يكمن في أن استهداف الجنود يبقى غالبًا بعيدًا عن الوعي اليومي للمدنيين، بينما يضرب استهداف الطاقة الإحساس بالأمان وروتين الحياة، ويفتح الباب أمام تساؤلات داخلية أعمق حول المستقبل. 

ورأى أن ضرب قطاع الطاقة يندرج ضمن رد غير متناظر يهدف إلى تعديل ميزان الضغط، فيما يتركز التحدي أمام موسكو في منع ترسخ الانطباع بأن عمقها الداخلي بات قابلًا للاهتزاز.

وأكد بريجع أن أخطر ما في "حرب الطاقة" هو أنها تخلق تصعيدًا صامتًا تتآكل فيه الحدود بين العسكري والمدني، لتتحول البنية التحتية إلى جزء من معادلة الردع.

وقال ديميتري بريجع، إن بيلغورود لم تعد مجرد مدينة حدودية، بل رمزًا لمرحلة يُقاس فيها الصراع بالأعصاب بقدر ما يُقاس بالقوة، حيث قد تكون الضربة الأقسى ليست تلك التي تسقط أكبر عدد من الجنود، بل التي تُطفئ الضوء وتُشعر الناس بأن الحرب دخلت بيوتهم.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC