تأتي المفاوضات الأمريكية الإيرانية في العاصمة العُمانية في مرحلة حساسة، مع تركيز واضح على إغلاق الملف النووي كأولوية أولى لواشنطن، تليها بقية العناصر.
كما تؤكد واشنطن ضرورة تحجيم النفوذ الإيراني الإقليمي، ولا سيما الأذرع المنتشرة في المنطقة، والتي تشكل ركيزة أساسية في معادلة الصراع الإقليمي، وعلى رأسها ميليشيا حزب الله.
ووفق خبراء، فإن هذه المفاوضات تحمل أبعاداً سياسية وأمنية، إذ ترتبط نتائجها مباشرة بمستقبل النفوذ الإيراني، وبقدرة طهران على الاحتفاظ بعناصر قوتها النووية والباليستية، إضافة إلى شبكة أذرعها في المنطقة، في ظل ضغوط أمريكية متصاعدة وتباين في الأولويات مع إسرائيل.
وقد يفضي مسار التفاوض الحالي إلى إعادة رسم موازين القوى في الإقليم، سواء عبر تسويات مرحلية تُضعف الأذرع الإيرانية تدريجياً، أو عبر الانزلاق إلى خيارات أكثر تصعيداً في حال تعثرت المفاوضات، مما يجعلها مفتوحة على سيناريوهات تتجاوز طاولة التفاوض إلى حسابات الحرب والسلام.
وفي هذا السياق، قال الباحث في شؤون الأمن القومي والاستراتيجي، العميد يعرب صخر، إن المفاوضات الجارية في مسقط لا تزال في بداياتها، مشيراً إلى أن التركيز في البند الأول ينصب على الملف النووي، أي إغلاقه بالكامل، وإخراج 450 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة عالية تصل إلى 60% وأكثر إلى خارج إيران، بما يسمح بإقفال هذا البند.
ولفت إلى أن هذا الملف يشكل الهاجس الأمريكي الأول، على أن يتم بعده الانتقال إلى مراحل أخرى ضمن فترة قصيرة ومشروطة بعدم إطالة أمد المفاوضات، وهو الأسلوب الذي تشتهر به إيران وترفضه واشنطن.
وأضاف صخر لـ "إرم نيوز" أن مجرد الانتهاء من الملف النووي وتصفيره، يفتح الباب للانتقال إلى البنود الأخرى، وفي مقدمتها ملف الصواريخ الباليستية، سواء من حيث تفكيكها أو تحديد مدياتها بحيث لا تتجاوز 300 كيلومتر، إضافة إلى قطع علاقة إيران بالأذرع المنتشرة في المنطقة.
وأشار صخر إلى أن مسألة نهاية حزب الله في هذا السياق لا ترتبط فقط بتخلي إيران عنه، بل تقع أيضاً على عاتق السلطة اللبنانية التي يفترض بها معالجة هذا الملف انطلاقاً من الدستور اللبناني، الذي ينص على أنه لا شرعية إلا للقوى الشرعية اللبنانية، وإنهاء حالة حزب الله، معتبراً أن هذا قرار دستوري بحت.
وأكد أن المفاوضات الجارية حالياً ستضعف حزب الله أكثر مما هو عليه، وفي حال تخلت إيران عنه فإنه سينهار بنسبة كبيرة جداً، إلى جانب الحوثيين والحشد الشعبي العراقي، مشيراً إلى أن ما يتبقى في هذا الإطار هو مدى استعداد الولايات المتحدة للمضي قدماً في هذا المسار.
وأوضح صخر أن هناك اختلافاً بالأولويات ما بين أمريكا وإسرائيل، إذ يتركز همّ إسرائيل الأساسي على تفكيك القدرات الباليستية، بينما تضع واشنطن أولوية تفكيك القدرات النووية في الصدارة، على أن يأتي ملف الأذرع كنتيجة لمسار هذه المفاوضات.
وبيّن أن السؤال المهم يتمثل في ما إذا كانت إيران مستعدة للتخلي عن عناصر القوة التي تمتلكها، معتبراً أن التنازل عن القدرات النووية والباليستية بمثابة صك استسلام، ومستبعداً أن تتخلى طهران عن خطوط دفاعها المتمثلة بالأذرع أو الوكلاء في المنطقة، الذين يشكلون بالنسبة لها جوهر "مبدأ تصدير الثورة" وهو المبدأ هو الذي قام عليه النظام الإيراني.
وحذر من أن القبول بذلك يضرب أسس هذا النظام وقد يؤدي إلى سقوطه من الداخل من دون أن تُطلق أمريكا أي رصاصة.
وذكر أن هذا المخطط سيفشل، إذ ستنهي أمريكا الملف النووي نهائياً، وبالنسبة للعثرات المرتبطة ببقية البنود التي لن تقبل بها إيران، فستدفع واشنطن لاستخدام الحشود التي دفعت بها، ما يرفع احتمالات الحرب مقابل نجاح المفاوضات، بحيث تنجز بعض البنود بالتفاوض وتستكمل البنود الأخرى بقوة النار.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي، رولاند خاطر، إن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة تختلف عن استراتيجيتها السابقة، لافتاً إلى أن المصلحة اليوم تقتضي عدم السماح بوجود نفوذ كبير لإيران أو لغيرها، وذلك عبر التركيز على ثلاثة عناصر أساسية هي: الملف النووي واليورانيوم المخصب والصواريخ الباليستية التي تمس المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وأضاف خاطر لـ "إرم نيوز" أن من بين العناصر الأساسية الأخرى أذرع إيران في المنطقة، لا سيما في ظل تشدد أمريكي واضح حيال هذا الملف.
وأشار إلى أن حماية المصالح الأمريكية وأمن إسرائيل والمنطقة ككل تتطلب وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية الجديدة إنهاء أي نفوذ إيراني، معتبراً أن الحل يبدأ من إنهاء ملف حزب الله.
وأوضح خاطر أن إنهاء الحالة العسكرية للحزب مطروحة على الطاولة الدولية، وهو ما يفسر حجم الضغط الدولي، لا سيما الأمريكي، من خلال العقوبات وتحريك الداخل الإيراني وصولاً إلى إسقاط النظام في حال عدم الامتثال للشروط المطروحة.
وأشار إلى أن المفاوضات الجارية حالياً تشكل بداية نهاية نفوذ إيران وسلاح حزب الله، محذراً من أن تعنت الحزب سيقود إلى نهاية معروفة، مرجحاً أن تصل إيران إلى حد تمرير تخليها عن الحزب للجانب الأمريكي أو الإسرائيلي "من تحت الطاولة".
واختتم خاطر حديثه بالإشارة إلى أن إيران قد تبيع حليفها الأبرز حزب الله، مستشهداً بعدم تدخلها منذ اغتيال الأمين العام السابق حسن نصر الله وسلسلة الاغتيالات التي طالت كوادره، لافتاً إلى أنه جرى التلميح في تلك المرحلة إلى احتمال وجود خرق إسرائيلي داخل القيادة الإيرانية وصل إلى حد تسريب معلومات لإسرائيل من داخل إيران.