في قلب الحرب الدائرة في شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية بين تحالف المتمردين المدعوم من رواندا والقوات الحكومية، تؤدي ميليشيات الهوتو المتجمعة ضمن القوات الديمقراطية لتحرير رواندا دورًا غامضا، إذ يمتد نفوذها من مدينة كيفو إلى أوروبا.
عبر التلال المطلة على غوما في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفي عمق الغابة، لا تزال القوات الديمقراطية لتحرير رواندا نشطة، رغم هزيمتها على يد تحالف المتمردين "إم 23" المدعوم من رواندا، الذي سيطر على مساحات شاسعة من شرقي البلاد.
ويشير دبلوماسي أوروبي في كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى أن "خط المواجهة في شمالي كيفو تسيطر عليه هذه القوات بشكل أساسي، فهي منظمة، وكثيرة العدد، وراسخة في المنطقة، وتقاتل من أجل بقائها، على عكس الجيش الحكومي".
أُسّست القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، وجناحها المسلح، قوات أباكونغوزي المقاتلة (أي المحررين)، في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، وهي متألفة من القوات المسلحة الرواندية السابقة وميليشيات الهوتو التي ارتكبت الإبادة الجماعية ولجأت إلى شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد هزيمتها في عام 1994، وتحلم بالعودة إلى رواندا بالقوة، والإطاحة برئيسها بول كاغامي، الرجل الذي هزمهم في عام 1994، والقضاء على التوتسي.
بالنسبة لحركة إم 23 ورواندا، يمثل هؤلاء وشبكاتهم تهديدًا خطيرًا للغاية، فبحسب قولهم، فإن تحالف القوات الديمقراطية لتحرير رواندا مع الجيش الكونغولي يزعزع استقرار المنطقة الحدودية، وينشر أيديولوجيته المعادية للتوتسي.
وقالت كليمنتين دي مونتجوي، من منظمة هيومن رايتس ووتش لصحيفة "لاكروا" الفرنسية: "يُعدّ وجود هذه الجماعة محورياً في الرواية الرواندية للأزمة في شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية. فبينما ترتكب هذه الجماعة فظائع بلا شك، تُبالغ كيغالي في أهميتها لتبرير سيطرتها على منطقتي كيفو".
من جانبها، تنفي كينشاسا التعاون مع قوات التحرير الديمقراطية الرواندية، وتتهم كيغالي بالسعي للاستيلاء على الثروات المعدنية في شرق الجمهورية.
ووفقاً لأحدث تقرير صادر عن فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بجمهورية الكونغو الديمقراطية فإن حركة تحالف التغيير الديمقراطي/حركة 23 مارس "تسيطر الآن على ما يقارب نصف إنتاج الكاسيتريت والكولتان في جنوب كيفو، وأكثر من ثلثي إنتاجها من الولفراميت".
ويرد مراقب دولي مقيم في العاصمة الرواندية كيغالي قائلاً: "لا شك أن الوصول إلى الموارد في هذه المنطقة من العالم يُمثل قضية رئيسة لكيغالي. لكن وجود قوات التحرير الديمقراطية الرواندية على حدودها ليس بالأمر الهين، لأن قوات التحرير الديمقراطية الرواندية ليست مجرد حفنة من المقاتلين التائهين في الأدغال".
ووفقًا لوثائق سرية من مصادر استخباراتية أوروبية، وشهادات مباشرة جمعتها جريدة "لا كروا"، فإن القوات الديمقراطية لتحرير رواندا تعمل كدولة موازية حقيقية، وتوسع نفوذها في شمالي وجنوبي كيفو، بدعم من كينشاسا ودول مثل بوروندي المجاورة.
ويتصدر تنظيمهم رئاسة وأمانة تنفيذية وعدة "مفوضين" مسؤولين عن الدفاع والاستخبارات والمالية والشؤون الاجتماعية والخارجية، كما احتفظوا بهيكل أُنشئ عام 1991 من قِبل مستشارين عسكريين فرنسيين أُرسلوا إلى رواندا من قصر الإليزيه، وحدة الكوماندوز، بل إن لديهم مدارس لتدريب الضباط وضباط الصف لتأهيل قادتهم، كما يكشف تحقيق "لاكروا".
في رواندا، تجري عملية إعادة تأهيل المقاتلين الهوتو السابقين من شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية على قدم وساق.
وبحسب هذه المصادر، كان عددهم يتراوح بين 2500 و3500 مقاتل قبل بدء الهجوم الذي شنته حركة إم 23 في يناير، وتم تجديدهم بانتظام من خلال حملات التجنيد، ويتألفون من الهوتو الروانديين الذين استقروا في الكونغو بعد الإبادة الجماعية، وأبنائهم، والهوتو الكونغوليين، وكذلك من الكونغوليين الذين، كما كان الحال في عهد المارشال موبوتو، يتشاركون نفس الأيديولوجية المعادية للتوتسي.
وتكمن قوتهم في شبكتهم الواسعة، ففي كيفو، تقاتل قوات التحرير الديمقراطية الرواندية إلى جانب القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية، بل وتتسلل إلى صفوفها. كما أنها تحالفت مع جماعات وازاليندو المسلحة المتحالفة مع القوات الحكومية، وتغلغلت فيها، وترتبط بالعديد من ميليشيات الدفاع الذاتي الناشطة في المنطقة.
وكانت مساحات شاسعة من الأراضي في شرقي الكونغو تحت سيطرتهم المباشرة قبل هجوم حركة 23 مارس في يناير. ورغم هزيمتهم، تراجعت قوات التحرير الديمقراطية الرواندية وحلفاؤها إلى الريف، حيث يواصلون قتالهم.
على الصعيد السياسي، تعتمد جبهة التحرير الديمقراطية الرواندية أيضاً على مجموعة من الجمعيات والأحزاب السياسية والمعارضين المحليين.
وتشكل هذه الجهات مجتمعة شبكة معقدة من التفاعل الاجتماعي والتضامن والدعم للمجتمعات المحلية، وهي شبكة تفوق بكثير عدد مقاتليها.
امتد نفوذ جبهة التحرير الديمقراطية الرواندية وشبكاتها إلى ما هو أبعد من غابات الكونغو، عبر القارة الأفريقية وصولاً إلى الغرب. وقد قسمت هذه المنطقة إلى مناطق إدارية (في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية).
وتخضع كل منطقة لسيطرة لجنة مقاومة إقليمية، وهي بدورها مقسمة إلى محافظات وبلديات وقطاعات وخلايا، ما يتيح شبكة محكمة للغاية للسيطرة على هذه المناطق.