أثارت زيارة المبعوث الأمريكي الخاص بأفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، إلى تونس وهي الثانية له في غضون 6 أشهر, تساؤلات حول دلالاتها، وما إذا كانت تهدف إلى توطيد العلاقة بين واشنطن وتونس.
ومنذ أشهر سلّمت الولايات المتحدة معدات عسكرية وأمنية إلى تونس بهدف تأمين حدودها في ظلّ التهديدات التي تشهدها المنطقة مع نجاح الجماعات المسلحة في تكريس نفوذها في منطقة الساحل الأفريقي، واستمرار الأزمة السياسية في ليبيا.
منطق براغماتي متبادل
وعلّق المحلل السياسي التونسي، صهيب المزريقي، بأنه "يُمكن قراءة التقارب المتواصل بين تونس وواشنطن، من خلال الزيارات الرسمية وتكثيف المساعدات الأمنية والعسكرية، باعتباره تعبيرًا عن منطق براغماتي متبادل أكثر منه تحوّلًا استراتيجيًا أو انخراطًا تحالفيًا".
وتابع المزريقي في تصريح لـ "إرم نيوز" أنّ: "الولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى تونس بوصفها فاعلًا مهمًا في معادلات أمن جنوب المتوسط، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود والهجرة غير النظامية، وتسعى إلى الحفاظ على حدّ أدنى من النفوذ والاستقرار في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، حتى في ظل تحفظاتها السياسية المرتبطة بالمسار الداخلي التونسي، ومن جهة أخرى تجد تونس في هذا التعاون الأمني مجالًا أقل حساسية سياسيًا، يسمح بالحصول على دعم ملموس دون الانخراط في التزامات سياسية أو أيديولوجية معلنة".
وأكد أنّ "هذا التقارب يظل في جوهره، علاقة وظيفية وانتقائية، تعمّق التعاون على المستوى المؤسسي والأمني، لكنه لا يرقى إلى شراكة شاملة أو تحالف استراتيجي وهو ما يجعله منسجما، من حيث المبدأ، مع منطق عدم الانحياز الذي نص عليه دستور 25 يوليو 2022، والذي يؤكد على استقلالية القرار الوطني ورفض الانخراط في الأحلاف".
ولفت المتحدث إلى أنّ "التعاون، وفق هذا المنطق، لا يعني الانحياز، طالما لم يقترن باتفاقيات دفاع ملزمة أو اصطفافات سياسية واضحة".
دعوات للاتجاه شرقاً
ويأتي هذا الزخم الجديد في العلاقات بين تونس والولايات المتحدة في وقتٍ تتزايد فيه الدعوات من قبل الأحزاب المساندة للرئيس قيس سعيد من أجل بناء تحالفات جديدة مع دول مثل الصين وروسيا.
وقال المزريقي "تُطرح داخليًا دعوات للاتجاه شرقًا، خاصة نحو الصين وروسيا، باعتبارها بديلًا عن الشركاء الغربيين. غير أن هذا التوجه يبقى، إلى حد كبير، خطابًا سياسيًا ورمزيًا أكثر منه خيارًا استراتيجيًا مكتمل الأركان، نظرًا لغياب بدائل مالية وأمنية مماثلة، واستمرار الارتباط البنيوي للاقتصاد والمؤسسات التونسية بالفضاء الغربي".
واعتبر أن تونس "تمارس شكلًا من عدم الانحياز المرن، القائم على تنويع الشراكات وإدارة التوازنات، لا على القطيعة أو إعادة التموضع الجذري. وفي هذا السياق، يصبح التقارب مع واشنطن جزءًا من سياسة إدارة القيود أكثر منه تعبيرًا عن خيار أيديولوجي أو اصطفاف جيوسياسي معلن".
تحدي الأمن
ومن جانبه، يعتقد المحلل السياسي التونسي، محمد صالح العبيدي، أنّ سرّ التقارب بين الولايات المتحدة وتونس يكمن في التحدي الأمني الذي تعرفه منطقة شمال أفريقيا حيث تسعى واشنطن إلى الحفاظ على حالة الاستقرار الهشّ في الوقت الراهن.
وأضاف العبيدي في تصريح لـ "إرم نيوز" أنّ "واشنطن أدركت أن امتناعها عن التحرّك منح موسكو نفوذا واسعا في ليبيا ودول مجاورة لها مثل مالي والنيجر، الأمر الذي دفعها إلى استعادة زخم علاقاتها مع طرابلس وتونس لتطويق النفوذ الروسي من جهة والاستجابة للتحديات الأمنية من جهة أخرى".