منذ تعيينه في الأول من أبريل/ نيسان 2025 مستشارًا خاصًا للرئيس دونالد ترامب لشؤون أفريقيا، برز مسعد بولس كأحد أبرز الشخصيات وأكثرها جدلاً في السياسة الأمريكية تجاه القارة السمراء.
جولته الأخيرة في شمال أفريقيا، التي اختتمها بزيارة إلى الجزائر سلطت الضوء على توترات داخل الجهاز الدبلوماسي الترامبي، حيث تتقاطع رؤيتان متنافستان: بولس من جهة، وستيف ويتكوف، المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط، من جهة أخرى.
وتتجاوز هذه المنافسة الأشخاص، لتجسد صراعًا بين نهج جيوسياسي تقليدي يركز على التحالفات التاريخية، ونهج أكثر مرونة يعتمد على دبلوماسية الصفقات والشبكات الخاصة.
ستيف ويتكوف، رجل الأعمال الثري الذي تحول إلى مبعوث خاص للشرق الأوسط، برز كـ"صانع حلول مؤقتة" في البيت الأبيض، وشارك في ملفات معقدة مثل غزة والحرب الروسية الأوكرانية.
بحكم قربه القديم من الرئيس، يعتمد مقاربة مؤسساتية تركز على الدول وتعزيز هياكل الأمن القائمة، دعم الشركاء الموثوقين، اعتماد القنوات الرسمية، وربط ملفات الأمن والطاقة وإدارة الأزمات ضمن رؤية متماسكة.
وتخدم قدرته على التحرك بين موسكو وتل أبيب والشرق الأوسط إستراتيجية كبرى هدفها الحفاظ على النفوذ الأمريكي في قلب التوازنات الأوراسية والشرق أوسطية.
في المقابل، يجسد مسعد بولس، رجل الأعمال اللبناني الأمريكي ذو الجذور الأفريقية الغربية، مقاربة مختلفة تمامًا.
ويستفيد بولس من علاقاته العائلية القريبة من ترامب، ويرفع شعار التحول من "المعونة إلى التجارة"، ويركز في استراتيجيته الأفريقية على ثلاثية السلام، الازدهار، الشراكة. وترتكز منهجيته على دبلوماسية الشبكات، القائمة على المصالح الاقتصادية (الطاقة، البنية التحتية، العقود الكبرى) وعلى صيغ تفاوض مخصصة كما في ليبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان.
هذا الاختلاف في الأسلوب يعكس تباينًا أعمق في النظرة إلى القوة الأمريكية: فويتكوف يفكر بمنطق تراتبية المسارح الإستراتيجية واستمرارية التحالفات، بينما يرى بولس في أفريقيا ساحة مرونة قصوى، حيث يمكن للتكتيك الشخصي والارتجال أن يعوّضا غياب رؤية موحدة.
في ليبيا، يحوّل مسعد بولس مسار إعادة التشكيل المؤسسي إلى ساحة اختبار، ساعيًا إلى حوارات معمقة مع الفاعلين في الشرق والغرب، موازية للمسارات الأممية، مشددًا على ضرورة ربط الاستقرار بالاستثمارات الطاقوية الكبرى.
وقد شكل إعلان عقود ضخمة مع شركات نفطية غربية، خصوصًا فرنسية وأمريكية، دليلًا على دبلوماسية تجمع بين السعي للسلام وضمان النفوذ الاقتصادي في بلد محوري للمتوسط ومنطقة الساحل.
رسميًا، يقدَّم هذا التوجه كاستجابة لـ"حالة الطوارئ الإنسانية" وكبديل للنفوذ المتصاعد لقوى غير غربية، على رأسها روسيا والصين.
غير أن غياب نتائج ملموسة، إلى جانب مبادرات تعتبر غير مدروسة – مثل سوء إدارة بعض مسارات الحوار السودانية – يغذي الانطباع بوجود دبلوماسية وهمية: وعود كثيرة، إشارات انفتاح مكثفة، لكن دون ترجمة ذلك إلى بنى سياسية مستقرة.
في الخلفية، تدور المنافسة بين نهجي ويتكوف وبولس ضمن سياق تصاعد المنافسة مع موسكو وبكين في القارة الإفريقية. وتقدّم إدارة ترامب الثانية تعيين بولس كجزء من محور أفريقي يهدف إلى كبح هاتين القوتين من خلال الجمع بين الصفقات التجارية، والدعم الأمني الانتقائي، وتقوية العلاقات الثنائية مع الأنظمة الرئيسية.
ومع ذلك، فإن غياب خط سياسي موحد في ملفات محورية – مثل الأمن في الساحل، وإعادة بناء ليبيا – يضعف وضوح الموقف الأمريكي.
ففي حين تمضي روسيا والصين برسائل بسيطة (دعم أمني مباشر، استثمارات ضخمة، مبدأ عدم التدخل)، يرى الشركاء الأفارقة مشهدًا أمريكيًا متعدد الأصوات: ويتكوف، بولس، ثم القنوات التقليدية لوزارة الخارجية والبنتاغون.
في هذا السياق، تبدو المنافسة بين ويتكوف وبولس أقل صراعًا شخصيًا وأكثر تعبيرًا عن دبلوماسية مفككة، حيث يفوض البيت الأبيض مبعوثين سياسيين لتقديم حلول مرتجلة للأزمات المعقدة، دون ربطها دائمًا برؤية شاملة لمكانة إفريقيا في النظام الدولي.
على المدى القصير، يتيح توازي النهجين للولايات المتحدة اختبار عدة خيارات: مقاربة كلاسيكية ترتكز إلى القانون الدولي والتحالفات التاريخية، وأخرى أكثر انتهازية تراهن على المشاريع الاقتصادية الضخمة والشبكات الخاصة.
غير أن الأمد المتوسط يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ستتعامل واشنطن مع أفريقيا باعتبارها ركنًا أساسيًا في استراتيجيتها العالمية، أم كساحة تجريب دبلوماسي ثانوي؟
فإذا سادت رؤية ويتكوف، يُتوقع أن تتركز السياسة الأمريكية حول عدد محدود من "الشركاء المحوريين"، في إطار استراتيجيات احتواء الخصوم وتأمين مسارات الطاقة.
أما إذا بقيت مقاربة بولس هي المهيمنة في الملفات القارية، فستظل أفريقيا مختبرًا لـصناعة الصفقات، حيث تتحول كل أزمة إلى مسار تفاوضي مخصص يجمع بين وعود السلام والعقود الاقتصادية والترتيبات السياسية المؤقتة.
بين هذين الأفقين تتحدد مصداقية "السلام على الطريقة الترامبية": سلام يقوم على الصفقات، أم سلام مؤسس على رؤية إستراتيجية طويلة المدى. وحتى الآن، يترك التنافس الخفي بين ستيف ويتكوف ومسعد بولس انطباعًا مربكًا: قوة أمريكية مترددة بين الرؤية والارتجال في تعاملها مع القارة الأفريقية.