مع قرب تولي رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية المقبلة، تثار تساؤلات بشأن التعامل مع الفصائل المسلحة.
يأتي ذلك على وقع ضغوط أمريكية غير مسبوقة، واستحضار ذاكرة صِدامية لا تزال حاضرة في المشهد السياسي، أبرزها مواجهة عام 2008 مع جيش المهدي، حين خاض المالكي واحدة من أكثر معارك الدولة حساسية ضد فصيل شيعي مسلح بدعم أميركي مباشر.
واليوم، يعود المالكي إلى واجهة السلطة في سياق مختلف جذرياً، يتسم بتشابك الضغوط الإقليمية والدولية، وتبدل أولويات واشنطن التي ترفع شعار إضعاف نفوذ إيران ووكلائها في العراق، مقابل واقع داخلي هش اقتصادياً وأمنياً، يجعل أي خيار تصعيدي مفتوح محفوفاً بمخاطر عالية.
خيار اضطراري
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الأمنية سيف رعد أن "خيار التسوية الاضطرارية هو الأرجح في حال تمرير حكومة المالكي".
وأوضح رعد أن "هذه التسوية قد تحافظ على نفوذ الفصائل جزئياً، لكنها ستتضمن في الوقت نفسه تنازلات واضحة للولايات المتحدة، بهدف تجنب انهيار اقتصادي أو انفجار داخلي".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "الاستعداد الأمريكي واضح جداً، ومعظم القيادات داخل الإطار التنسيقي، بما فيها قوى محسوبة على الفصائل المسلحة، باتت تميل إلى البراغماتية وتفضّل إدارة الخسائر على الذهاب إلى مواجهة شاملة".
ويتقاطع هذا التقدير مع واقع سياسي يؤشر إلى أن واشنطن لا تتعامل مع ملف الفصائل بوصفه شأناً أمنياً فقط، بل باعتباره مدخلاً لإعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي العراقي، عبر ربطه بملفات العقوبات، والرقابة المالية، والحد من نفوذ ما تصفه بـ"المافيات الاقتصادية" المرتبطة بالجماعات المسلحة.
من جهته، حاول ائتلاف دولة القانون تقديم قراءة مغايرة للموقف الأمريكي، إذ قال المتحدث باسم الائتلاف عقيل الفتلاوي إن "عدم وجود فيتو أمريكي على ترشيح المالكي يعني القبول، وهذا القبول يأتي من المصلحة الأمريكية في المنطقة".
وأضاف الفتلاوي في تصريح صحفي أن "واشنطن تريد حصر السلاح بيد الدولة، وترى أن المالكي هو الأكثر قدرة على ضبط إيقاع الفصائل المسلحة وتنفيذ هذا المسار".
تحذير من سيناريو الدمج
في المقابل، يحذر الباحث في الشأن السياسي مهند الجنابي من أن ملف الفصائل لا يمكن حسمه عبر تعهدات عامة أو تفاهمات شفوية.
ويؤكد الجنابي لـ"إرم نيوز" أن "أي معالجة حقيقية لهذا الملف يجب أن تدرج ضمن برنامج حكومي واضح، محدد زمنياً، يعرض على مجلس النواب ويصوت عليه".
ولفت إلى أن "بعض الفصائل تعلن صراحة رفضها تسليم السلاح حتى للحكومة المقبلة، ما يجعل أي وعود غير مقرونة بآليات تنفيذ مجرد إعادة إنتاج لأزمات سابقة".
ويضيف الجنابي أن "صيغ الدمج غير الواضحة أو التسويات الرمادية قد تؤدي إلى إضعاف المؤسسة العسكرية، كما حدث في مراحل سابقة"، محذراً من أن "دمج تشكيلات مؤدلجة دون تفكيك فعلي لبناها التنظيمية سيبقي الدولة في دائرة التوازن الهش بين السلاح الرسمي وغير الرسمي".
المالكي وجيش المهدي
وتستحضر هذه النقاشات بقوة تجربة المالكي في ولايته الأولى، حين أطلق عملية "صولة الفرسان" عام 2008، في محاولة لفرض سلطة الدولة على البصرة ومدن الجنوب.
وهذه العملية أنهت عملياً نشاط جيش المهدي التابع لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، كتنظيم مسلح، لكنها دفعت التيار لاحقاً إلى التحول نحو العمل السياسي.
وفي الوقت الذي كان التيار الصدري يتمتع بمركزية تنظيمية وقيادة واحدة ممثلة بمقتدى الصدر، فإن التحول من العمل المسلح إلى المسار السياسي عام 2008 جاء بقرار واحد وواضح، ما سهل على الحكومة آنذاك احتواء الموقف وفرض تسوية انتهت بتجميد النشاط العسكري والانخراط في العملية السياسية.
أما اليوم، ومع تعدد الفصائل المسلحة وتباين مرجعياتها وارتباطاتها الإقليمية والسياسية، فإن تكرار هذا النموذج يبدو بالغ الصعوبة، إذ لم تعد هناك قيادة جامعة قادرة على اتخاذ قرار ملزم للجميع، ما يجعل أي محاولة لفرض مسار موحد، سواء عبر التصعيد أو التسوية، مهمة معقدة ومفتوحة على احتمالات غير محسوبة.
وبرغم العلاقة الوثيقة التي ربطت نوري المالكي بهذه المجموعات خلال مراحل سابقة، فإن الأيام التي أعقبت ترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء شهدت تصعيداً لافتاً في خطاب الفصائل المسلحة.
وأعلنت كل من كتائب حزب الله ومنظمة بدر وحركة النجباء استعدادها للانخراط في أي مواجهة عسكرية أمريكية ضد إيران، ما يضع الحكومة العراقية المقبلة أمام اختبار مبكر في ضبط الإيقاع الأمني ومنع انزلاق البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة.