logo
العالم العربي

من سوريا إلى العراق.. رحلة 47 داعشيًّا تكلف فرنسا ملايين اليوروهات

أفراد من الشرطة العسكرية السورية أمام سجن معتقلي داعشالمصدر: رويترز

بينما تتسابق الدول الغربية لإيجاد حلول لمشكلة مقاتلي تنظيم "داعش" المحتجزين في سوريا، تكشف وثائق جديدة عن استراتيجية فرنسية مثيرة للجدل: دفع ملايين اليوروهات لبغداد مقابل احتجاز مواطنيها الإرهابيين بدلاً من إعادتهم إلى باريس. 

في سبتمبر/أيلول الماضي، نُقل 47 جهاديًا فرنسيًّا من السجون الكردية في شمال شرق سوريا إلى العراق، ضمن صفقة ثنائية غامضة تثير تساؤلات حول المسؤولية القانونية والأخلاقية، حيث يكشف تقرير لصحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، تفاصيل هذه العملية السرية وتداعياتها على العلاقات الفرنسية-العراقية.

أخبار ذات علاقة

أفراد أمن الحدود العراقيون

تحذيرات استخباراتية عراقية من عودة خطر داعش عبر الحدود السورية

7 آلاف إرهابي "في مهب الريح"

في خضم مخاوف من عدم قدرة النظام السوري الجديد على السيطرة على السجناء الإرهابيين الذين استعادهم عقب هجومه الناجح الأسبوع الماضي ضد الأكراد، أطلقت واشنطن عملية واسعة لنقل نحو 7 آلاف عنصر متطرف إلى العراق المجاور.

نُقلت الدفعة الأولى المكونة من 150 سجينًا، الأربعاء الماضي، ووُضعوا في سجن ببغداد، قبل نقل مجموعة ثانية من ألف شخص خلال عطلة نهاية الأسبوع. 

من بين الدفعة الأولى، كان هناك 65 عراقيًّا، و19 بلجيكيًّا منهم 9 رجال، بالإضافة إلى نمساويين وسويديين ومغاربة وجزائريين ومواطنين آخرين من دول عربية وإسلامية من آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا. 

وأوضح مصدر أمني عراقي، لوكالة "فرانس برس"، أنهم "قادة تنظيم داعش وبعضهم من أخطر المجرمين الذين شاركوا في عمليات داعش في العراق".

بموجب هذا الاتفاق الثنائي بين واشنطن وبغداد، تسعى الولايات المتحدة إلى "ضمان بقاء الإرهابيين في مراكز احتجاز آمنة" لـ"تجنب عمليات الهروب".

فقد تمكن العشرات، بل ربما أكثر، من الفرار أثناء انتقال سجونهم - أحيانًا بعنف - من أيدي الأكراد إلى أيدي القوات المسلحة الدمشقية.

أخبار ذات علاقة

عناصر من الأمن العراقي

من السجن إلى المحكمة.. العراق يضع خطة للإشراف على نقل عناصر "داعش"

نداء لاستعادة الإرهابيين

غالبية الـ6 آلاف متشدد المتبقين المقرر نقلهم من سوريا إلى العراق محتجزون في سجني غويران والدريك، اللذين لا يزالان تحت سيطرة الأكراد في آخر محافظة يسيطرون عليها وهي الحسكة.

يوم السبت، اتفقت الحكومة السورية والأكراد على تمديد وقف إطلاق النار، الذي كان من المقرر أن ينتهي في نفس اليوم، لتسهيل هذه العملية الحساسة للنقل. 

وتخشى القوات العسكرية الأمريكية من أن يؤدي الانتقال العاصف بين الأكراد والحكومة السورية إلى هروب المزيد من المتشددين، خاصة أن "دمشق تمتلك جيشًا غير منضبط يتفاعل ببطء، أو لا يتفاعل على الإطلاق، مع الأوامر"، كما يحذر مركز الدراسات الأمريكي للحرب.

بينما أعلنت بغداد بالفعل عن إجراءات قضائية بحق هؤلاء الـ6 آلاف متشدد، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن "الإرهابيين غير العراقيين سيبقون في العراق بشكل مؤقت فقط".

وعلى غرار رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني، الجمعة، خلال مكالمة هاتفية مع إيمانويل ماكرون، حث روبيو "الدول على تحمل مسؤولياتها وإعادة مواطنيها". لكن عشرات الدول الغربية، بما فيها فرنسا، ترفض استعادتهم. 

أخبار ذات علاقة

سجناء داعش في سوريا

في الليل ووسط "سرية تامة".. نقل 300 من سجناء داعش إلى العراق

الصفقة الفرنسية-العراقية الغامضة

في نهاية سبتمبر/أيلول، وتحت الضغط الأمريكي، اضطرت أجهزة الاستخبارات الفرنسية، بالشراكة مع نظيراتها العراقية، إلى تنظيم نقل 47 متشدداً فرنسيًّا محتجزين لدى الأكراد في شمال شرق سوريا إلى العراق، من بينهم مخضرمون مثل توماس بارنوان، وكوينتن لوبرون، وتوماس كولانج، ومحمد المغربي.

كان هذا اتفاقًا ثنائيًّا فرنسيًّا-عراقيًّا، لكن على عكس الاتفاق المبرم هذأ الأسبوع بين واشنطن وبغداد، لم يُحاكم المتشددون الفرنسيون بعد في بغداد، حيث استجوبتهم أجهزة الاستخبارات المحلية بعد وصولهم بفترة وجيزة. 

منذ ذلك الحين، وحسب معلومات تلقتها "لوفيغارو"، تلقوا زيارة من أحد أعضاء القنصلية الفرنسية في بغداد، وهم محتجزون في مراكز اعتقال حول بغداد، في انتظار نقلهم إلى العدالة. "ملفهم تديره الـINIS، جهاز الاستخبارات الفرنسي، والأمن القومي، وكلاهما يتبعان رئيس الوزراء"، يوضح دبلوماسي عراقي في بغداد للصحيفة.

في صيف 2019، كانت فرنسا قد نقلت بالفعل 12 من متشدديها السجناء لدى الأكراد السوريين إلى العراق. وسُجنوا في الناصرية بالجنوب، وحُكم عليهم بالإعدام، لكن عقوبتهم خُففت إلى السجن المؤبد.

بعد عمليات النقل هذه، يبقى حوالي 20 متشدداً فرنسيًّا محتجزين في سوريا، دون احتساب العديد من الزوجات والأطفال المجمعين في مخيمات، انتقلوا أيضًا تحت سلطة دمشق.

باريس تدفع الثمن

"خذوهم جميعًا، نكرر ذلك للسلطات الفرنسية منذ سنوات، نحن لسنا مكبًّا للمتشددين الأجانب"، يؤكد الدبلوماسي العراقي لـ"لوفيغارو". لكن "التجربة التي لدينا مع الـ12 السابقين ليست مشجعة، يضيف، لذلك ستستمرون في دفع تكاليف احتجازهم؛ لأن تأمينهم يكلفنا غاليًا".

أكدت عدة مصادر أن باريس تدفع بشكل غير مباشر، من خلال ترتيبات مالية غامضة، تكاليف إقامة وإطعام متشدديها الذين تطلب فرنسا من العراق سجنهم.

"تمويل هذه الاحتجازات جزء من حزمة المفاوضات التي نجريها مع العراقيين بشأن تعاوننا في المجالات الاقتصادية وغيرها"، يؤكد دبلوماسي فرنسي، بينما تقول وزارة الخارجية الفرنسية أنه "ليس لديها ما تضيفه" على هذه الادعاءات. 

كما يؤكد محامي أحد المتشددين الفرنسيين هذه التعويضات "لتجنب استعادة فرنسا لقنبلة موقوتة". ويذكّر الدبلوماسي العراقي المذكور أعلاه أن المفاوضات في 2019 كانت حول "مليون يورو لكل متشدد فرنسي ".

أخبار ذات علاقة

مقتل 100 متشدد فرنسي بسوريا والعراق

انفصام الشخصية الفرنسية

مستشهدة بـ"المسؤولية المشتركة"، وبينما استعادت الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، على وجه الخصوص، مواطنيها، تُبدي بغداد أسفها لما تصفه بـ"انفصام في الموقف الفرنسي" حيال هذا الملف.

ويقول دبلوماسي في بغداد: "تطلبون منا استعادتهم، حسنًا نفعل ذلك لأن فرنسا أحد حلفائنا ولدينا معها تعاون قضائي. لكن عندما تحكم عدالتنا عليهم بالإعدام تحتجون، وعندما نطلب منكم استعادتهم ترفضون. لم نعد نفهمكم"، على حد تعبيره.

وتضيف بغداد أن هذا التناقض مستمر منذ سنوات، مشيرة إلى عدم تسليم فرنسا أحمد الأسودي، وهو عراقي يُشتبه في ارتكابه جرائم باسم تنظيم داعش، ويقيم حاليًّا في ضواحي باريس.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC