عاد الجدل السياسي في العراق إلى الواجهة، مع إعلان الإطار التنسيقي ترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، في خطوة أنهت أسابيع من الخلافات داخل التحالف الشيعي، لكنها فتحت في المقابل بابًا واسعًا لانقسامات جديدة على مستوى المشهد الوطني، ولا سيما مع بروز اعتراضات سنية وتحفظات سياسية من داخل الإطار نفسه.
وقال الإطار التنسيقي في بيان مساء السبت، إن قرار الترشيح جاء "بعد نقاش معمّق ومستفيض"، وبالأغلبية، مؤكدًا التزامه بالمسار الدستوري والدعوة إلى عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ضمن التوقيتات المحددة، تمهيدًا لتكليف مرشح الكتلة الكبرى بتشكيل الحكومة المقبلة.
ورغم اللغة التوافقية التي حملها البيان، فإن تمرير الترشيح بالأغلبية لا بالإجماع أعاد تسليط الضوء على حجم التباين داخل الإطار، وحدود التوافق الذي طالما قدم بوصفه قاعدة لإدارة الخلافات داخل البيت الشيعي.
وجاء ذلك بعد تنازل رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، الذي كان حتى وقت قريب المرشح الأوفر حظًّا داخل الإطار، عن المنصب لصالح المالكي في إطار تسوية داخلية هدفت إلى كسر الانسداد، غير أن هذا التنازل لم ينه الجدل، بل كشف عن انقسام أعمق يتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة.
في موازاة إعلان الإطار، أصدر المجلس السياسي الوطني، وهو أكبر تجمع سياسي سني، بيانًا عبَّر فيه عن رفضه ترشيح المالكي، معتبرًا أن المرحلة الراهنة "تتطلب قرارات تاريخية مسؤولة تراعي القبول الوطني"، محذّرًا من إعادة تدوير أسماء ارتبطت مراحل حكمها السابقة بأزمات سياسية وأمنية واقتصادية لا تزال آثارها ماثلة في الواقع العراقي.
وأشار البيان إلى "قلق واسع داخل المحافظات التي عانت ويلات الحروب والإرهاب، خاصة أن المرجعية الدينية العليا في النجف، إلى جانب مرجعيات أخرى، شددت في محطات مفصلية على ضرورة التغيير والذهاب نحو قيادات قادرة على احتواء الأزمات، والعمل المشترك بين المكونات، بعيدًا عن الإقصاء وإعادة إنتاج التجارب الفاشلة".
وبدوره، قال الباحث في الشأن السياسي نذير عدنان، إن "ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة ينذر بمرحلة حافلة بالانقسامات السياسية"، مشيرًا إلى أن "الإخفاق في تحقيق إجماع داخل الإطار التنسيقي على استحقاق محوري يتمثل باختيار رئيس الوزراء، يمثل سابقة لافتة في مسار التحالف، ولا سيما أن قرار الترشيح جرى تمريره بالأغلبية لا بالتوافق".
وأضاف عدنان لـ"إرم نيوز"، أن "الانقسام لم يتوقف عند حدود الإطار التنسيقي، بل امتد إلى قوى سياسية أخرى سبق أن أبدت عدم ارتياحها لإعادة طرح اسم المالكي"، محذرًا من أن "الاستمرار في هذا المسار قد يفتح الباب مجددًا أمام سيناريو الثلث المعطل، بما يحمله من قدرة على شل القرار السياسي، والدفع نحو انسداد جديد في ظل ظرف إقليمي متوتر وتوازنات داخلية هشة".
ويرى متابعون أن اسم المالكي يعيد إلى الأذهان مرحلة شديدة التعقيد في تاريخ الدولة العراقية بين عامي 2006 و2014، وهي فترة ارتبطت، وفق توصيفهم، بسياسات أمنية مشددة، وتوترات طائفية، واتهامات باستخدام أدوات الدولة في تصفية الخصوم السياسيين، فضلًا عن اختلالات خطيرة في المنظومة الأمنية والعسكرية، انتهت بسقوط مدن كبرى بيد تنظيم داعش عام 2014.
وهذه الذاكرة الثقيلة جعلت من عودة المالكي إلى صدارة المشهد مسألة تتجاوز التنافس السياسي التقليدي، لتتحول إلى سؤال يتعلق بإمكانية تجاوز الماضي، وقدرة النظام السياسي على تقديم ضمانات حقيقية بعدم تكرار أخطاء أثبتت كلفتها الباهظة.
في المقابل، يدافع ائتلاف دولة القانون عن ترشيح زعيمه، إذ قال عضو الائتلاف عمران الكركوشي في تصريح لـ"إرم نيوز إن "المالكي لا يؤمن بالعداوات، وإن بقاءه في الخط الأول دليل على حضوره الأبوي والوطني الجامع، وما جرى عام 2014 لا يمكن تحميله للمالكي وحده".
وأضاف الكركوشي أن "الحكومة المقبلة، في حال تشكيلها برئاسة المالكي، لن تعمل بشكل منفرد، بل ستفرض الضرورة مد الجسور مع بقية القوى السياسية، في محاولة لطمأنة المعترضين وتخفيف المخاوف من عودة الأحداث الماضية".
وواجه ترشيح نوري المالكي ترحيبًا من قبل أوساط سياسية عراقية مقربة من طهران، عدَّت الخطوة ضمانة لاستمرار نفوذها داخل مراكز القرار، وللحفاظ على تماسك القوى الشيعية في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، ولا سيما في ظل تصاعد التحديات الإقليمية المحيطة بالعراق.