أثار ترشح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، لمنصب رئاسة الوزراء انقساماً واضحاً داخل الإطار التنسيقي، وأعاد إلى الواجهة حجم التباينات السياسية الكامنة داخل التحالف الشيعي الحاكم، وفتح الباب أمام سجال داخلي يتجاوز حدود المنافسة على المنصب.
وأعلن الإطار التنسيقي خلال اجتماعه الأخير المضي بترشيح المالكي بوصفه مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، مستنداً إلى ما يصفه أنصاره بخبرته السياسية والإدارية، ودوره السابق في إدارة الدولة، إلى جانب امتلاكه شبكة دعم داخل الإطار وخارجه.
وجاء هذا الترشيح بعد جولات مشاورات مكثفة داخل الإطار، أعقبت تنازل رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني عن حقه في الترشح، وهي خطوة فسرها مراقبون بأنها أعادت خلط الأوراق داخل البيت الشيعي، وأثارت تساؤلات حول موازين القوة وآليات اتخاذ القرار داخل الإطار.
ووفق خارطة المواقف داخل الإطار التنسيقي، تشكل معسكر مؤيد لترشيح نوري المالكي، تقوده دولة القانون، مدعوماً بقوى وشخصيات عدة من داخل الإطار، إلى جانب تحالف الإعمار والتنمية بزعامة محمد شياع السوداني، كما ينضم إلى هذا المعسكر كل من تيار أبشر عراق برئاسة همام حمودي، ومنظمة بدر بزعامة هادي العامري، فضلاً عن تحالف تصميم الذي يتزعمه أسعد العيداني.
في المقابل، برز معسكر متحفظ أو معارض لهذا الترشيح، تقوده قوى ترى أن المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة مختلفة في إدارة السلطة والتوازنات السياسية، وفي مقدمتها تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وحركة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، إضافة إلى رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي الذي يعبر عن موقف متحفظ بشكل منفرد، إلى جانب تحالف خدمات بزعامة شبل الزيدي، وهو ما يؤشر على اتساع دائرة التحفظ داخل الإطار وعدم انحصارها بطرف واحد فقط.
وكشف هذا الاصطفاف حجم التشظي داخل الإطار، لا سيما أن القوى المتحفظة تمتلك ثقلاً برلمانياً لا يمكن تجاوزه في معادلة تمرير أي قرار استراتيجي.
لكن عضو الإطار التنسيقي محمود الحياني، قلل من أهمية الحديث عن انقسام حاد داخل التحالف، مؤكداً أن "الإطار ما زال متماسكاً، وهناك نقاشات وحوارات داخلية مستمرة تتعلق بطبيعة المرحلة ومتطلباتها السياسية والأمنية"، لافتاً إلى أن "البيت الشيعي الحاكم يمتلك رؤية موحدة في التعامل مع الاستحقاقات المطروحة، ولا سيما في ظل التحديات الإقليمية المرتبطة بعودة نشاط تنظيم داعش وتداعياتها على أمن المنطقة".
وأضاف الحياني لـ"إرم نيوز" أن "تمرير أي قرار أو موقف رسمي يحتاج إلى تحقيق النصف زائد واحد داخل الإطار"، مشيراً إلى أن "غالبية القوى الشيعية الداعمة للحكومة ما زالت تؤيد هذا التوجه، في ظل وجود الدعمين الأمريكي والإيراني لهذا المسار، وبما ينسجم مع طبيعة التوازنات الإقليمية والظرف الأمني الحساس الذي تمر به المنطقة".
وتذهب تقديرات مراقبين إلى أن الإطار التنسيقي قد يستمر شكلياً، لكنه بات يعاني من تآكل في وحدة القرار، ما يجعله أقرب إلى مظلة سياسية لإدارة الخلافات، وفي ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتنامي التحديات الأمنية، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على صراع سياسي ناعم داخل البيت الشيعي، قد ينعكس على أداء الحكومة المقبلة واستقرارها.
بدوره، قال الباحث في الشأن السياسي أثير الشرع إن "الإطار التنسيقي سيصمد شكلياً في المرحلة المقبلة، لكنه بات مفككاً فعلياً على مستوى القرار والرؤية"، مبيناً أن "الإطار لم يعد يمثل مشروعاً سياسياً موحداً بقدر ما تحول إلى مظلة هبوط اضطرارية لإدارة الخلافات"، وفق تعبيره.
وأضاف الشرع لـ"إرم نيوز" أن "المالكي يقرأ المرحلة الحالية على أساس تغيّر المزاج الإقليمي والدولي، واحتمال الذهاب نحو حكومة شروط لا حكومة شراكة"، مشيراً إلى أن "العراق يتجه نحو مرحلة حكومة هشة مهما كان اسم رئيسها، في ظل صراع ناعم داخل البيت الشيعي، بدلاً من الصدام المفتوح، مع تصاعد تأثير الضغوط الدولية، ووجود شارع صامت غير منظم، إضافة إلى توظيف الملفات الاقتصادية والخدمية كسلاح سياسي".