تحاول طهران إعادة صياغة مسار مفاوضاتها مع واشنطن عبر الدفع باتجاه مقاربة اقتصادية موازية للمسار النووي، من خلال طرح حزمة تعاون تجاري واستثماري تتزامن مع انطلاق جولة مفاوضات جديدة في جنيف، في ظل تصاعد التوتر العسكري واستمرار الضغوط الأمريكية.
وفي الوقت الذي جدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشاركته "بشكل غير مباشر" في الجولة الثانية من المحادثات النووية المقرر إجراؤها اليوم الثلاثاء، ولوح بعواقب عدم التوصل إلى اتفاق، سبقته طهران بمقاربة مختلفة، عمادها الاقتصاد والربح المتبادل باعتباره مدخلاً لاستدامة أي تفاهم سياسي.
وكشف حميد رضا قنبري، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية، عن ملامح حزمة تفاوضية تتجاوز الملف النووي، لتشمل قطاعات النفط والغاز، والتعدين، فضلاً عن إمكانية شراء طائرات مدنية أمريكية لتحديث الأسطول الإيراني المتقادم.
وبحسب الطرح الإيراني، فإن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يمنح الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية "ملموسة وسريعة"، بما يضمن بقاء التفاهمات وعدم انهيارها كما حدث بعد اتفاق 2015.
جوهر العرض يتمثل في الإفراج الفعلي عن الأصول الإيرانية المجمدة، وبآلية دائمة وقابلة للاستخدام الفوري، وليس ترتيبات مؤقتة أو رمزية.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتمسك فيه واشنطن بشرط وقف تخصيب اليورانيوم داخل إيران، وهو الملف الذي تعثر بسببه المسار التفاوضي سابقاً، قبل الضربات الجوية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية الصيف الماضي.
كما عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة عبر نشر حاملة طائرات ثانية، في خطوة رأى مراقبون أنها مزج بين الدبلوماسية والاستعدادات العسكرية.
ويرى الباحث في الشؤون الدولية علي أغوان أن المشهد لا يمكن اختزاله بالاقتصاد وحده، مؤكداً أن المقاربة الأمريكية البراغماتية تصطدم بحسابات أيديولوجية إقليمية معقدة.
وقال أغوان لـ"إرم نيوز" إن "الطرح القائم على تحويل الاتفاق النووي إلى منصة تعاون اقتصادي إقليمي قد يبدو جذاباً من زاوية الربح والخسارة، لكنه يصطدم بعقبتين رئيستين".
وأوضح: "العقبة الأولى أن إسرائيل لن تقبل بأي صيغة تبقي إيران لاعباً إقليمياً فاعلاً ولو بشروط اقتصادية، والثانية أن المنظومة الحاكمة في طهران يصعب عليها تقديم تنازلات جوهرية تمس بنيتها العقائدية أو منظومتها الصاروخية".
وأضاف أن "الشرق الأوسط لم يعد قادراً على تحمل مسارين متصادمين يقودهما كل من بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني في آن واحد، لأن أي اتفاق هش لن يصمد ما لم يتغير أحد طرفي المعادلة أو يعاد تعريف قواعد الاشتباك الإقليمي بالكامل".
ورغم محاولة طهران تقديم العرض بوصفه مبادرة ندّية لا تؤشر إلى ضعف، فإن توقيته يطرح تساؤلات، خصوصاً مع استمرار الضغوط على صادراتها النفطية، ومساعي واشنطن لتضييق الخناق على ما يُعرف بـ"أسطول الظل"، فضلاً عن التحركات العسكرية في الخليج.
وفي هذا السياق، قال الباحث الاقتصادي سرمد الشمري لـ"إرم نيوز" إن "العرض الإيراني يكشف عن حاجة ملحة لالتقاط أنفاس الاقتصاد الداخلي أكثر مما يمثل تحولاً استراتيجياً في سلوك النظام".
وأوضح الشمري أن "ربط الاتفاق النووي بصفقات نفط وغاز وشراء طائرات أمريكية يهدف بالدرجة الأولى إلى إقناع الإدارة الأمريكية بأن بقاء النظام الإيراني أقل كلفة من إسقاطه، لكن التجربة أثبتت أن طهران غالباً ما تستخدم الانفتاح الاقتصادي كتكتيك مرحلي لرفع العقوبات ثم تعود إلى سياساتها التوسعية".
وأضاف أن "أي تدفق سريع للأموال المجمدة من دون ضمانات صارمة سيمنح طهران قدرة مالية إضافية في لحظة إقليمية مهمة، وهو ما يثير مخاوف حقيقية لدى خصومها في المنطقة".
ووصلت بعثة طهران إلى جنيف بمشاركة كاملة، فيما أجرت منظمة الدفاع المدني الإيرانية تدريبات على "الدفاع الكيميائي" في منطقة بارس الاقتصادية للطاقة، في رسالة تؤشر – وفق مراقبين – إلى استعداد للتفاوض مع مراعاة احتمالية التصعيد.
ويرى مختصون أن الجولة الجديدة من المفاوضات تمثل اختباراً لمدى قدرة الاقتصاد على تحقيق اختراق في العداء المزمن، غير أن معارضة إقليمية حادة، وشكوكاً أمريكية متراكمة، قد تجعل من مسار "اقتصاد مقابل النووي" رهانا محفوفاً بالمخاطر أكثر من كونه تسوية قريبة.