تستضيف مدينة جنيف السويسرية في 17 و18 فبراير 2026 جولة مزدوجة من المفاوضات الدولية، تجمع الأطراف المتصارعة على الصعيدين النووي والسياسي.
وفي الوقت الذي تبحث فيه الولايات المتحدة مع إيران الملفات العالقة حول البرنامج النووي والصاروخي، تتجه أنظار العالم أيضاً إلى مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا، حيث تحتل قضية الأراضي الشائكة صدارة النقاش.
ومن المقرر أن يركز وفد روسيا بقيادة كبير المفاوضين فلاديمير ميدينسكي، ووفد أوكرانيا برئاسة كيريلو بودانوف، على موضوع السيطرة الإقليمية، وهو أحد أكثر الملفات تعقيداً في النزاع المستمر منذ نحو 4 سنوات.
وتسيطر روسيا حالياً على شبه جزيرة القرم ومنطقة دونباس معظمها، إضافة إلى مناطق جنوب شرق أوكرانيا مثل خيرسون وزابوريجيا، ما يشكل حوالي خُمس الأراضي المعترف بها دولياً لأوكرانيا.
وقال بودانوف قبل التوجه إلى جنيف: "يجب حماية مصالح أوكرانيا".
ويعد هذا الملف "القضية الرئيسية الوحيدة التي لا يمكن حلها"، وفق أولكسندر ميريزكو، رئيس لجنة الشؤون الخارجية البرلمانية الأوكرانية.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة اقترحت أن تصبح بعض أجزاء دونباس "منطقة اقتصادية حرة" مقابل انسحاب كييف، وصف زيلينسكي هذا المقترح بأنه "أمر جنوني بعض الشيء"، مؤكداً أن أي تنازل عن الأراضي يُعد خطاً أحمر بالنسبة لأوكرانيا، مع بقاء نحو 200 ألف مدني في المناطق المتنازع عليها.
في الوقت نفسه، تواصل المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة المسار الذي بدأ في سلطنة عمان، للبحث في ملفات تخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ، بالإضافة إلى صفقة محتملة لإزالة العقوبات مقابل تقليص الدور الإقليمي الإيراني.
وتهدف هذه المباحثات إلى تحقيق تقدم يمكن البناء عليه لتخفيف التوترات في منطقة الشرق الأوسط، على غرار الجهود السابقة التي شهدتها جنيف منذ 2013 في الملف النووي الإيراني.
تشتهر سويسرا بسياسة "المساعي الحميدة"، ما يجعل جنيف منصة مثالية لمثل هذه المفاوضات الحساسة. فقد استضافت المدينة على مر العقود مؤتمرات دولية هامة، منها مؤتمر نزع السلاح العالمي 1932، لقاء قادة القوى العظمى عام 1955، وقمة أمريكية سوفيتية في 1985، إضافة إلى اتفاق تجميد البرنامج النووي الإيراني 2013.
يعتبر تاريخ المدينة في الوساطة الدولية عاملاً أساسياً لضمان حوار آمن وبناء، حيث توفر جنيف شبكة علاقات واسعة مع جميع الأطراف المتنازعة، ما يزيد فرص التوصل إلى اتفاقيات قابلة للتنفيذ.
ويبقى الغموض سائداً حول كيفية تضمين أي اتفاق ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا، خصوصاً مع استمرار سيطرة روسيا على محطة زابوريجيا للطاقة النووية، وهي الأكبر في أوروبا، ما يثير مخاوف من كارثة نووية في حال استمرار القتال بالقرب منها.
ويؤكد المسؤولون الأمريكيون أن القضايا الأساسية قد تم تضييق نطاقها، لكن "الخبر السيئ هو أن هذه القضايا هي الأصعب في الحل"، كما صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، مشيراً إلى أن الالتزام الروسي بوقف القتال لا يزال غير مؤكد، في حين يصر الرئيس دونالد ترامب على أن موسكو "ترغب في إبرام اتفاق".
وتظل هذه الجولة من المفاوضات اختباراً لقدرة الأطراف على تجاوز خلافاتهم التاريخية، سواء في أوروبا الشرقية أو الشرق الأوسط.
ورغم صعوبة التنازلات، يضع المجتمع الدولي آماله في خبرة جنيف الدبلوماسية وحيادها الراسخ كعامل مساعد لتحقيق تقدم ملموس في مساعي السلام العالمية.