تحوّلت أزمة شركة النفط الصربية (إن.آي.إس) إلى اختبار سياسي وسيادي بالغ الحساسية، وساحة مواجهة غير مباشرة بين موسكو وواشنطن بعد فرض عقوبات أمريكية طالت شريان الطاقة الرئيسي في البلاد.
ومنحت واشنطن بلغراد مهلة مشروطة بإنهاء السيطرة الروسية، التي تمتلك غالبية أسهم الشركة، وهو ما وضع صربيا أمام مأزق يتجاوز حدود الاقتصاد، خصوصاً أنها تعتمد في تأمين 90% من الطاقة على موسكو.
ويرى خبراء أن صربيا تقف، في ضوء هذه المعضلة، حيال معادلة دقيقة، فإما أن تعمل على تفكيك نفوذ روسي متجذر منذ عقود مقابل رفع العقوبات وضمان استمرار تدفق الوقود، أو المخاطرة بأزمة اقتصادية تعمق خسائرها.
ووسط محاولات بلغراد لاحتواء المشكلة عبر نقل ملكية الشركة إلى طرف أوروبي مقبول أمريكياً، كي تلغى العقوبات، يتضح، وفقاً لخبراء، أن ما يجري أبعد من مجرد صفقات تجارية، بل هو أقرب إلى إعادة رسم موقع صربيا ضمن خرائط النفوذ في شرق أوروبا، وقدرتها على صون استقلالية قرارها.
ضمن هذا السياق، أعرب الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، الخميس، عن أمله في أن تتمكن روسيا والمجر من إتمام صفقة بيع الشركة التي تدير مصفاة نفط "بانشيفو" الوحيدة في البلاد، التي تُغطي نحو 80% من احتياجات صربيا من الوقود، والتي أغلقت مطلع كانون الأول/ديسمبر، بفعل العقوبات.
وبحسب بلغراد، تجري شركة "غازبروم" الروسية مفاوضات مع شركة الوقود المجرية "إم أو إل" لبيع أسهمها البالغة 56% في الشركة، بينما تمتلك صربيا حوالي 30%، والبقية موزعة على مساهمين صغار.
وقال فوتشيتش: "آمل أن يُنهي الروس والمجريون عملهم" بحلول الموعد النهائي للمهلة الأمريكية في 23 كانون الثاني/يناير الجاري.
وكانت صربيا باعت حصة الأغلبية في شركة "إن. آي. إس" لشركة "غازبروم" الروسية عام 2008 لقاء 470 مليون دولار، واستثمرت الشركة، منذ ذلك الحين، مليارات الدولارات في الشركة الصربية عبر تحديث المصفاة وتعزيز البنية التحتية، ما جعل "إن. آي. إس" أحد أكثر الأصول الروسية رسوخاً في المنطقة.
ولم تكن الصفقة، آنذاك، اقتصادية بحتة، وفقاً لخبراء، بل خياراً استراتيجياً اتخذته بلغراد في لحظة عزلة دولية عقب حروب البلقان، عندما كانت موسكو شريكاً موثوقاً، في مقابل غرب متحفظ.
وتوظف الشركة الصربية نحو 13500 شخص، وساهمت في عام 2024 بأكثر من 2,5 مليار دولار من عائدات الضرائب، أي حوالي 12% من الميزانية الوطنية، وفقاً لتقريرها السنوي.
وكان الرئيس الصربي قد صرح، سابقاً، بأن روسيا، الحليف الرئيسي لبلاده، ليست مهتمة بإعادة بيع أسهمها في "إن. آي. إس" إلى صربيا، التي ستتخلص عندئذ من العقوبات الأمريكية.
والسبب وراء هذا الموقف الروسي، وفق تفسير خبراء، هو سياسي بالدرجة الأولى، فالشركة الصربية تمثل آخر موطئ قدم روسي كبير في قطاع الطاقة الأوروبي، وبيعها للدولة الصربية يعني خسارة هذه النافذة.
وبدلاً من هذا الخيار، تفضل روسيا بيع حصتها لطرف ثالث "صديق" كالمجر، على سبيل المثال، فهي لا ترى في بلغراد مشترياً محايداً، بل دولة قد تُجبر لاحقاً على إخراج روسيا من قطاعات ومفاصل أخرى في صربيا، بضغط أمريكي.
ويشير خبراء إلى عقبات أخرى تحول دون شراء صربيا نفسها للحصص الروسية، من بينها الكلفة المالية الباهظة، فأي عرض بيع جدي قد يصل قيمته إلى عدة مليارات، وهو ما سيشكل عبئاً على الموازنة الصربية وقد يتطلب قروضاً ضخمة وبشروط سياسية.
ويضاف إلى ذلك عقبة أخرى، بحسب خبراء، فالرأي العام الصربي ما زال يتعاطف مع روسيا، ومن الطبيعي أن شراء صربيا للأصول الروسية تحت ضغط أمريكي قد يُصوَّر داخليا كنوع من "الرضوخ السياسي"، ومن هنا فإن الرئيس فوتشيتش يحاول تجنب صورة "من فكّك الشراكة مع موسكو بيده".
ولا يمكن فصل ملف الشركة عن السياق التاريخي، فقد شكلت روسيا لعقود حليفاً سياسياً واقتصادياً لصربيا، في مقابل علاقة هشة مع الغرب، وهو ما يعني أن الأزمة الحالية هي محطة كاشفة تتجاوز الاقتصاد لتمس موقع صربيا في قلب الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وموسكو.
ويمتد هذا النفوذ إلى حقبة الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا (قبل أن تتفكك الدولتان إلى عدة دول مطلع تسعينيات القرن الماضي) ثم جاءت روسيا لتصبح داعماً سياسياً لبلغراد في قضية كوسوفو، وشريكاً رئيساً في مجال الطاقة، بل وحليفاً ثقافياً ودينياً ضمن الفضاء السلافي الأرثوذكسي.
لكن هذا الحضور "التاريخي" لروسيا تحول، مع الزمن، إلى عبء، كما يقول خبراء، إذ منحها قدرة على التأثير في قرارات بلغراد الاستراتيجية، وفي ذات الوقت، لجم طموحات صربيا وعلاقاتها مع بروكسل وواشنطن، فأي محاولة صربية لإعادة رسم سياساتها وتحالفاتها تصطدم بالضغوط الدولية، شرقاً وغرباً.
وتكشف الأزمة، من جهة أخرى، أن العقوبات أصبحت "أداة وصاية" بيد واشنطن، فهي لم تفرضها على الشركة الصربية بسبب نشاطها بحد ذاته، بل تحديداً، بسبب ملكيتها العائدة، في غالبيتها للروس.
ويلاحظ الخبراء أن العقوبات، في مقاربة أعمق، تستهدف تقويض نفوذ روسي متجذر داخل دولة أوروبية، تعد حليفاً تقليدياً لموسكو، ومرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن المهلة الأمريكية حتى 23 كانون الثاني/يناير الجاري لا تبدو كمساحة للتفاوض، بقدر ما هي ضغط سياسي ينقل القرار السيادي من بلغراد إلى التوقيت الأمريكي.
وهذه القراءة نابعة من أن صربيا ليست قوة عظمى يمكنها تحديد مسار الأحداث وفق مصالحها وحدها، بل تضطر إلى تبني سياسات متوازنة وحذرة في محاولة لحماية استقلالها دون الاصطفاف كلية مع هذا المعسكر أو ذاك، وهو ما يجعل من أي أزمة اقتصادية اختباراً لقدرتها على إتقان هذه المناورة.
ويستنتج خبراء أن صربيا، التي تبلغ مساحتها حوالي 77,474 كيلومتراً مربعاً، ويقدر عدد سكانها بنحو 7 ملايين نسمة، لا تستطيع التصرف كدولة قوية وثرية، لتحقيق مصالحها، بل تستعين بالذكاء السياسي والمرونة الدبلوماسية، حتى تتمكن من تذليل الصعاب التي تفرض عليها من قوى كبرى، دون إرادتها.