logo
العالم

واشنطن و"الناتو".. من الشراكة الأمنية إلى اختبار الولاء السياسي

الرئيس الأمريكي دونالد ترامبالمصدر: غيتي إيمجز

تدفع  واشنطن داخل حلف شمال الأطلسي نحو إعادة ترتيب العلاقة مع الدول الأعضاء عبر 3 خطوات مترابطة، تبدأ بتثبيت دور الكونغرس في أي مسار يتعلق بالانسحاب، ما يحصر القرار ضمن إطار مؤسساتي، ويحوّل الجهد نحو إدارة الحلف من الداخل، ثم تنتقل إلى ممارسة ضغط مباشر على بعض الدول بسبب تموضعها من ملف إيران.

وهذا الأمر ينعكس عملياً في مراجعة انتشار القوات الأمريكية داخل أوروبا وفق مستوى التنسيق السياسي والعسكري مع واشنطن.

تتزامن هذه المقاربة مع تسريبات نشرتها "وول ستريت جورنال" حول مراجعة داخل الإدارة  الأمريكية لتموضع القوات في أوروبا، وفق معايير ترتبط بمرونة استخدامها في العمليات خارج الإطار الأوروبي.

وفي السياق ذاته أشارت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إلى توجه يربط استمرار الوجود العسكري الأمريكي بدرجة التوافق مع أولويات واشنطن.

يقيّد  الكونغرس أي مسار يتعلق بانسحاب الولايات المتحدة من الناتو، إذ يشترط القانون موافقته المسبقة، ما يدفع الإدارة إلى التحكم بسلوك الحلف من الداخل بدل فتح مسار تشريعي طويل، لذلك تعتمد على أدوات تنفيذية مباشرة تشمل توزيع القوات واتفاقيات التعاون الدفاعي لإعادة تشكيل التزامات الدول الأعضاء.

يدخل ملف انتشار القوات الأمريكية داخل  أوروبا في مراجعة تقودها واشنطن ضمن تقييم أوسع لاستخدام القواعد والبنية العسكرية، هذا التقييم يشمل قواعدَ رئيسة في ألمانيا وإيطاليا التي تشكل نقاط ارتكاز لوجستية وعملياتية، ويستند إلى معايير تتعلق بمرونة الاستخدام وطبيعة التنسيق مع الدول المضيفة.

إعادة تقييم الانتشار العسكري داخل أوروبا

في حين كشفت مصادر دبلوماسية  أمريكية لـ"إرم نيوز" أن انتشار القوات الأمريكية في أوروبا يخضع لتقييم مستمر بهدف الحفاظ على مرونة التحرك وتوسيع خيارات الاستخدام، موضحة أن أي تعديل في مواقع القوات يرتبط بكيفية توظيفها عمليًا ضمن الأولويات الأمريكية.

لا يقتصر انتشار القواعد الأمريكية داخل أوروبا على كونه بنية عسكرية ثابتة، بقدر ما تحول تدريجيًا إلى أداة تنظيم سياسي داخل الحلف.

فالقواعد الكبرى مثل رامشتاين في ألمانيا، التي تستضيف عشرات آلاف الجنود وتشكل مركزًا لوجستيًا محوريًا، أو نابولي في إيطاليا المرتبطة بقيادة الأسطول السادس، باتت جزءًا من منظومة ضغط مرنة تُستخدم لإعادة توجيه سلوك الدول الأعضاء.

يمنح التحكم بدرجة الوصول إلى هذه القواعد، وطبيعة استخدامها العملياتي، واشنطن قدرة على تحويل الانتشار العسكري من ضمانة أمنية جماعية إلى أداة تفاوض غير مباشرة، ترتبط بمستوى التوافق السياسي والعسكري مع أولوياتها. ما أدى إلى تحول البنية العسكرية من جغرافيا ثابتة إلى شبكة نفوذ ديناميكية يُعاد من خلالها توزيع مراكز التأثير داخل الناتو.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد صعّد، مؤخرًا، من حدة تصريحاته تجاه الناتو، فقال إن الحلف لا يوفر دعمًا فعليًا عند الأزمات، وأن عددًا من الدول الأوروبية يستفيد من الحماية الأمريكية دون تحمّل التزامات مقابلة، واصفًا أداءه في الصراعات بأنه أقرب إلى "نمر من ورق".

أخبار ذات صلة

أمين عام حلف شمال الأطلسي مارك روته

أمين عام الناتو: القيادة الأمريكية ضرورية للغاية

بينما توضح المصادر الدبلوماسية أن واشنطن لا تسعى إلى تقليص دور الناتو، إنما تعمل على تعزيز قدرته على التعامل مع الأزمات وفق متطلبات المرحلة، مشيرة إلى أن التركيز داخل الإدارة ينصبّ على تطوير فاعلية الحلف وليس إعادة النظر في وجوده.

إعادة تعريف الالتزام داخل الناتو

ورغم ذلك، أعلن ترامب، مؤخرًا، أن إدارته تراجع الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لا يمكنها الاستمرار في الدفاع عن دول لا تقف معها في الأزمات، كما لوّح بفرض تبعات على الدول التي امتنعت عن دعم واشنطن، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستعيد النظر بشكل جدي في التزاماتها داخل الناتو في ضوء هذه المواقف.

تضع هذه التصريحات العلاقة بين واشنطن والناتو أمام مستوى جديد من الاشتراط السياسي داخل الحلف، حيث يرتبط استمرار الالتزامات الأمنية الأمريكية بسلوك الدول الأعضاء في الأزمات، ويتحوّل الانتشار العسكري من أداة حماية عامة إلى أداة ضغط وتقييم، هذا التحول يعيد تعريف الشراكة داخل الناتو إلى علاقة ترتبط بمدى الانخراط الفعلي في أولويات واشنطن، ويجعل الحضور داخل الحلف مرتبطًا بالوظيفة التي تؤديها كل دولة ضمن البنية العسكرية وليس بمجرد عضويتها. 

أخبار ذات صلة

ترامب خلال مغادرته اجتماعاً في مقر الناتو

البيت الأبيض: ترامب يدرس انسحاب الولايات المتحدة من الناتو

ويظهر أثر هذا التحول في ملفات محددة داخل الحلف، في مقدمتها إعادة توزيع القوات، وشروط استخدام القواعد العسكرية، ومستوى الوصول إلى منظومات القيادة والتخطيط العملياتي، حيث تتحول هذه الملفات إلى ساحات تفاوض غير معلنة بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية.

كما يمتد التوتر إلى ملف الإنفاق الدفاعي واتجاهات التسليح، في ظل ضغط أمريكي لرفع الالتزامات المالية وتعزيز التوافق التقني، هذا التداخل بين العسكري والسياسي يفرض واقعًا جديدًا داخل الناتو يعيد ترتيب مراكز التأثير ويحدّد عمليًا الدول التي تتحرك داخل مركز القرار وتلك التي تبقى على هامشه.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC