وجدت فرنسا حليفاً آخر في شرق أفريقيا من خلال صفقة عسكرية جديدة، محاولة تعويض تراجع نفوذها في منطقة غرب أفريقيا، حيث تُعدّ هذه الاتفاقية جزءاً من إستراتيجية إعادة توجيه دبلوماسية نحو أفريقيا الناطقة بالإنجليزية.
على مدى السنوات القليلة الماضية، شنت دول غرب أفريقيا، بما في ذلك: بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، حملة عدوانية للتخلص من القوات الفرنسية داخل حدودها.
وعلى النقيض من ذلك، اختارت دولة كينيا الواقعة في شرق أفريقيا، والتي كانت في مرحلة ما من تاريخها مستعمرة بريطانية، عقد صفقة عسكرية مع فرنسا.
ووافق المجلس الوطني الكيني، يوم 9 أبريل/ نيسان، على التصديق على اتفاقية ثنائية مع فرنسا، وُقعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2025. وتنص على إطار عمل مدته 5 سنوات، يُجدد تلقائياً مرة واحدة، للتعاون بين البلدين في عدة مجالات رئيسية: تبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن البحري، وحفظ السلام، والتدريب، والمساعدات الإنسانية.
تهدف الصفقة، إلى "تعزيز القدرات الدفاعية لكينيا من خلال الوصول إلى التدريب والتكنولوجيا والخبرة الفرنسية" في قطاعات إستراتيجية.
تم توقيع الاتفاقية، التي من المقرر أن تستمر لمدة 5 سنوات، من قبل السفير الفرنسي ووزير الدفاع الكيني في نهاية شهر أكتوبر. ويتم تجديدها تلقائياً لفترة زمنية مماثلة، ولا يمكن إعادة النظر فيها إلا بعد عشر سنوات.
ووفقًا للوثيقة التي اطلع عليها "إرم نيوز" فإنها تتضمن، العديد من الأحكام القانونية المتعلقة بوضع الأفراد العسكريين الفرنسيين على الأراضي الكينية من شروط الدخول إلى الإقليم، والإعفاءات الضريبية، والقانون الواجب تطبيقه. كما تشير إلى تنظيم مناورات وتدريبات مشتركة، فضلًا عن تبادل المعلومات.
وأعرب بعض أعضاء البرلمان الكيني عن مخاوفهم بشأن جوانب معينة من الاتفاقية، بما في ذلك إعفاء الواردات الشخصية من الرسوم الجمركية ومنح الحصانة للجيش الفرنسي.
ويمنح الاتفاق فرنسا "الحق الأساس" في مقاضاة جنودها المتهمين بارتكاب أنشطة إجرامية في كينيا.
وقال المحلل النيجري أمادو كوديو، في تصريح لـ"إرم نيوز" أن القضية الرئيسية بالنسبة لباريس هي الأمن البحري، وهي مسألة تسعى لمعالجتها إقليمياً منذ عدة سنوات، حيث تحتاج كينيا إلى تعزيز قدراتها في مكافحة القرصنة والتهريب.
كما تتطلع باريس لتكون نقطة انطلاق للعمليات الفرنسية في المحيط الهندي، مكملة بذلك آخر قاعدة رئيسية لباريس في القارة، في جيبوتي، والتي تضم نحو 1500 جندي، وأصولاً جوية منتشرة بشكل دائم، ووجوداً بحرياً.
في المقابل، تتيح كينيا الوصول إلى الصومال، حيث تنشط حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة، وإلى منطقة القرن الأفريقي بشكل عام.
أما على مستوى الأراضي الكينية فإنه يتعين على فرنسا أن تجد مكاناً لها إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، علماً بأن مفرزة صغيرة تضم نحو 60 جنديًا أمريكيًا تنتشر، حالياً، على الساحل الشرقي للبلاد، في خليج ماندا، للتدريب والتعاون مع الكينيين. أما البريطانيون، فقد أنشأوا معسكرات تدريبهم في وسط وشمال البلاد، ويحتفظون بقاعدة مشتركة مع الجيش الكيني بالقرب من نيروبي.
وبسبب غياب الماضي الاستعماري الفرنسي في كينيا تحاول باريس استغلال هذه الورقة بالنظر إلى الإرث غير الإيجابي للجيش البريطاني.
وبغض النظر عن الاتفاق العسكري، من المقرر أن تكون كينيا أول دولة أفريقية غير ناطقة بالفرنسية تستضيف قمة أفريقيا وفرنسا، والمقرر عقدها في مايو 2026. كما وجه الرئيس الفرنسي دعوة إلى نظيره الكيني، الرئيس ويليام روتو، لحضور قمة مجموعة السبع التي يستضيفها في يونيو.
تتماشى الصفقة العسكرية مع أهداف الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون، الذي تعهد، عند توليه منصبه في العام 2017، بإعادة هيكلة علاقة فرنسا بالقارة الأفريقية.
ومن خلال وعده بذلك، كان ينوي أن يصبح رئيس دولة فرنسية يرتبط إرثه بتفكيك السياسات والنفوذ الاقتصادي لما بعد الاستعمار في المنطقة، وفق مراقبين.
ومع ذلك، شهدت السنوات الخمس الماضية فقدان القوة الأوروبية لمكانتها العسكرية في بعض أقوى معاقلها في القارة، بما في ذلك: السنغال، وساحل العاج، وتشاد، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر.