بزشكيان: لا ننوي على الإطلاق استهداف دول المنطقة أو الدخول في صراع معها

logo
العالم

فجوة "الخطاب والإنفاق".. حرب إيران تكشف تراجع القوة البريطانية

حاملة الطائرات البريطانية "إتش إم إس كوين إليزابيث"المصدر: PA

سلّط التصعيد العسكري المرتبط بإيران في الشرق الأوسط الضوء على تساؤلات متزايدة بشأن قدرة بريطانيا على حماية مصالحها وقواتها المنتشرة في الخارج، في وقت تتعرض فيه بنية الجيش البريطاني لاختبار جديد، وفق تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية.

وكشفت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، التي استهدفت حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة عن تحديات متنامية تواجه لندن في حماية مواقعها العسكرية، بما في ذلك قواعدها السيادية في جزيرة قبرص.

وبرزت تلك المخاوف، وفقًا للتقرير، بعد حادثة استهداف قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص بطائرات مسيّرة يُعتقد أنها أُطلقت من قبل ميليشيا "حزب الله" اللبنانية المدعوم من إيران في لبنان.

وعلى الرغم من أن الهجوم لم يسفر عن أضرار كبيرة، إلا أنه أثار تساؤلات حول مدى جاهزية الدفاعات الجوية البريطانية في منطقة تشهد تصعيداً متواصلاً منذ اندلاع المواجهة بين إيران وحلفاء واشنطن.

وأعقب الحادث قرار بريطاني بإرسال تعزيزات عسكرية إلى شرق البحر المتوسط، شملت طائرات ومروحيات ومدمرة من طراز "تايب 45" هي ”إتش إم إس دراغون“، وهو ما دفع مراقبين إلى التساؤل عن سبب عدم نشر منظومات دفاع جوي كافية مسبقاً لحماية القاعدة.

أخبار ذات علاقة

طائرات أمريكية من طراز B‑1

إرث العراق وأخطاء بلير.. حرب إيران تختبر "العلاقة الخاصة" بين واشنطن ولندن

محدودية الدفاعات الجوية

وأشارت المجلة إلى أن حادثة قبرص تعكس مشكلة أوسع تتعلق بقدرة القوات المسلحة البريطانية على مواجهة التهديدات الجوية الحديثة، خاصة مع الانتشار المتزايد للطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة.

ومنذ العام 2024 حذَّر خبراء أمنيون من أن أنظمة الدفاع الجوي الأرضية لدى الجيش البريطاني ليست مجهزة للتعامل مع العديد من أنواع التهديدات الجديدة.

أخبار ذات علاقة

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين

انقسام أوروبي حول حرب إيران.. فون دير لاين في قفص الاتهام

ورغم أن نظام "سكاي سابر" البريطاني قادر على اعتراض الطائرات المسيّرة، فإن هذه الأنظمة متوافرة بأعداد محدودة، ولم تكن مخصصة لحماية القواعد البريطانية في قبرص قبل الهجوم الأخير.

ولا يقتصر التحدي على الدفاعات الأرضية، فقد سحبت البحرية الملكية، العام 2025، آخر فرقاطة لها من منطقة الخليج بسبب نقص السفن القادرة على تلبية متطلبات الانتشار، وهي المرة الأولى منذ عقود التي لا تمتلك فيها بريطانيا سفينة حربية رئيسة في المنطقة.

أسطول بحري محدود

واعتمد الرد البريطاني على حادث قبرص بشكل رئيس على المدمرات من طراز "تايب 45"، وهي أكثر السفن تقدماً في منظومة الدفاع الجوي البريطانية، وقد صُممت هذه المدمرات لحماية حاملات الطائرات البريطانية والتصدي للصواريخ الباليستية، والتهديدات الجوية المعقدة.

أخبار ذات علاقة

شقق خامنئي في لندن.. "رادار" طهران في قلب كينسينغتون!

شقق خامنئي بلندن.. "رادار" طهران في قلب كينسينغتون! (فيديو إرم)

وحتى مطلع العام 2026، كانت 3 سفن فقط من أصل 6 تُصنّف على أنها "جاهزة للعمل"، وهو تصنيف لا يعني بالضرورة أنها متاحة فوراً للانتشار، وحتى المدمرة "دراغون" التي أُرسلت إلى شرق المتوسط احتاجت عدة أيام من التحضيرات قبل مغادرة الميناء، ومن المتوقع أن تصل إلى المنطقة بعد نحو أسبوعين من وقوع الهجوم.

ويعكس هذا الوضع، بحسب المجلة، التراجع التدريجي في حجم البحرية الملكية التي كانت يوماً إحدى أكبر القوى البحرية في العالم، فإلى جانب المدمرات الست، تعتمد البحرية، حالياً، على عدد متناقص من فرقاطات "تايب 23"، التي تعود إلى فترة الحرب الباردة، في انتظار دخول جيل جديد من الفرقاطات الخدمة في نهاية العقد.

فجوة بين الخطاب والإنفاق

ورأى محللون أن هذه التحديات تعكس فجوة طويلة الأمد بين طموحات بريطانيا العسكرية والموارد المالية المخصصة لتحقيقها، فعلى مدى سنوات، حذرت الحكومات البريطانية من تزايد التهديدات الأمنية، لكنها لم ترفع الإنفاق الدفاعي بما يتناسب مع هذه المخاطر.

في ظل حكومة حزب العمال الحالية بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، يتزايد الحديث عمّا يُعرف بـ"فجوة القول والفعل" في السياسة الدفاعية البريطانية، أي الفرق بين الخطاب السياسي حول ضرورة تعزيز الدفاع وبين مستوى التمويل الفعلي.

وظهر ذلك التناقض بوضوح خلال "مؤتمر ميونيخ للأمن"، حيث دعا ستارمر الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي بسرعة أكبر، في حين أن بريطانيا نفسها تنفق نسبة أقل من اقتصادها على الدفاع مقارنة بمعظم دول حلف شمال الأطلسي "الناتو".

وبيّنت المجلة، أنه إذا استُبعدت تكاليف الردع النووي، فإن بريطانيا تنفق نحو 1.73% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، ما يجعلها ثاني أقل دولة إنفاقاً بين أعضاء "الناتو"، البالغ عددهم 32 دولة.

انتقادات داخلية وخارجية

أثار هذا الوضع انتقادات متزايدة داخل البرلمان البريطاني، ففي أواخر العام 2025، أصدرت ”لجنة الدفاع“ في مجلس العموم تقريراً انتقد بشدة إخفاق الحكومة في الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه حلف "الناتو"، كما حذرت من وجود فجوات في قدرة البلاد على حماية أمنها الداخلي.

إلى جانب ذلك، امتدت المخاوف إلى شركاء بريطانيا الدوليين، فقد أعربت اليابان عن قلقها من التردد البريطاني في مشروع مشترك لتطوير مقاتلة شبحية من الجيل الجديد، في ظل عدم وضوح خطط لندن طويلة المدى في مجال الدفاع.

معدات قديمة

وتعكس أوضاع القوات المسلحة البريطانية أيضاً آثار عقود من تقليص الميزانيات، فقد حذّر وزير القوات المسلحة آل كارنز من أن أجزاءً كبيرة من المعدات العسكرية "لم تتغير منذ الثمانينيات والتسعينيات".

فالعديد من المركبات المدرعة، بما فيها الدبابات، صُنعت قبل ما بين 30 و60 عاماً، ولم تتلقَّ الدبابة الرئيسة للجيش البريطاني تحديثاً كبيراً منذ نهاية القرن الماضي، وتشير الخطط الحالية إلى تحديث نحو 148 دبابة فقط.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب وكير ستارمر

بعد انتقادات لبريطانيا.. ترامب وستارمر يناقشان الحرب الإيرانية

كما تقلصت أعداد القوات بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة؛ فبين عامي 2000 و2024 انخفض عدد أفراد الجيش البريطاني بنحو 30%، ليصبح الأصغر منذ أواخر القرن الـ18، وتقلصت البحرية الملكية ومشاة البحرية بنحو 25%، بينما فقد سلاح الجو أكثر من 40% من أفراده خلال الفترة نفسها.

بيئة أمنية تتغير

تأتي هذه التطورات في وقت تتغير فيه طبيعة الحروب بسرعة، مع الانتشار المتزايد للطائرات المسيّرة والتقنيات غير المأهولة.

وأظهرت الحرب في أوكرانيا الدور المتزايد لهذه التقنيات في ساحات القتال الحديثة، بينما أصبحت الهجمات بالطائرات المسيّرة جزءاً أساساً من الصراعات في الشرق الأوسط.

ورأت "فورين بوليسي" أن هذه التحولات تزيد من الضغوط على الجيوش الأوروبية، التي تجد نفسها مضطرة للتكيف مع تهديدات جديدة بسرعة أكبر مما كانت تتوقعه.

وفي ظل هذه البيئة الأمنية المتغيرة، لم تعد التحديات التي تواجه بريطانيا مسألة انتشار عسكري في مناطق بعيدة فحسب، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرتها على حماية مصالحها وقواعدها في عالم يتسم بتزايد المخاطر.

ويبقى النقاش حول مستقبل القوة العسكرية البريطانية مرشحاً للتصاعد خلال السنوات المقبلة، مع تزايد الدعوات لمواءمة الطموحات الإستراتيجية مع الموارد الفعلية المتاحة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC