بزشكيان: لا ننوي على الإطلاق استهداف دول المنطقة أو الدخول في صراع معها
أعادت الحرب المرتبطة بإيران إحياء سردية مركزية في الخطاب السياسي الروسي، تقوم على فكرة "القلعة المحاصرة" التي يستخدمها الكرملين لتفسير طبيعة الصراع مع الغرب.
وتستند هذه السردية إلى تصور متجذر لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن موسكو تواجه منذ سنوات محاولات غربية مستمرة لتقليص نفوذها الدولي ومحاصرة دورها الجيوسياسي.
وترتبط جذور هذا التصور لدى بوتين بتجربة التدخل العسكري لحلف "الناتو" في ليبيا عام 2011، والذي انتهى بالإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي.
وقد شكلت تلك الأحداث نقطة تحول في رؤية القيادة الروسية لطبيعة التدخلات الغربية، حيث اعتبرها الكرملين نموذجاً لما يمكن أن يحدث إذا فقدت الدول قدرتها على حماية سيادتها في مواجهة الضغوط الدولية.
ومع اندلاع الحرب المرتبطة بإيران، سارعت موسكو إلى إصدار مواقف رسمية تندد بالتصعيد العسكري، وأدان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التطورات التي شهدتها إيران واعتبرها انتهاكاً للقانون الدولي ومعايير الأخلاق الإنسانية، كما عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الروسي لمناقشة تداعيات المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط.
وأجرى بوتين اتصالا هاتفيا بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أعرب خلاله عن تضامن موسكو مع طهران، محذراً من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى تداعيات واسعة على استقرار المنطقة.
وعبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن موقف مماثل، معتبرًا أن الغرب ساهم في تعطيل جهود تعزيز منظومة الأمن في منطقة الخليج.
وفي سياق الاتصالات الدبلوماسية، شدد بوتين خلال اتصال مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على ضرورة معالجة الأزمة عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، مؤكدّا أن ما يجري يعكس خطورة التصعيد العسكري في المنطقة.
وتزامنت هذه المواقف مع تقارير إعلامية كشفت عن تقديم موسكو دعما استخباراتيا لإيران، شمل معلومات وصورًا التقطتها الأقمار الصناعية الروسية حول تحركات القوات والسفن والطائرات الأمريكية في المنطقة، في وقت دعت فيه روسيا علنا إلى إنهاء الحرب ووصفتها بأنها "عمل عدواني مسلح غير مبرر".
وفي ظل هذه التطورات، رصدت تقارير دولية أن التصعيد في الشرق الأوسط قد ينعكس على أولويات الدعم العسكري الغربي، خاصة في ظل اعتماد أوكرانيا الكبير على الإمدادات العسكرية الأمريكية والأوروبية.
سمير أيوب، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية أكد، أن التصعيد العسكري ضد إيران يندرج في إطار أوسع من مجرد صراع إقليمي، إذ يحمل في نظر موسكو أبعادا استراتيجية تتعلق بتوازنات القوة العالمية.
وقال أيوب لـ"إرم نيوز" إن الهجوم على دولة ذات سيادة وعضو في مجلس الأمن لا يُنظر إليه في روسيا باعتباره استهدافا لإيران فقط، بل خطوة تمس شبكة أوسع من المصالح المرتبطة بدول كبرى مثل روسيا والصين.
وأشار إلى أن هذه التطورات تعزز الرواية التي يكررها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ سنوات حول ما يسميه "سياسة الاحتواء الغربية" ضد روسيا.
وتابع: "موسكو ترى أن سلسلة الضغوط السياسية والعسكرية، بما في ذلك توسع حلف الناتو باتجاه حدودها، تعكس محاولة مستمرة لتقليص دورها الدولي وإضعاف نفوذها في محيطها الجغرافي".
وأشار أيوب إلى أن ما يحدث لإيران يُقرأ في موسكو باعتباره نموذجا يمكن أن يتكرر مع قوى أخرى إذا اختل ميزان الردع الدولي، فإيران عاشت لعقود تحت العقوبات والضغوط العسكرية، وهو سيناريو ترى روسيا أنه قريب من التحديات التي تواجهها منذ الأزمة الأوكرانية.
وأكد المحلل السياسي، أن العلاقات الروسية الإيرانية تطورت بشكل ملحوظ منذ وصول بوتين إلى السلطة عام 2000، خاصة في مجالات التعاون السياسي والاقتصادي، وصولاً إلى اتفاقيات استراتيجية بين البلدين.
ويرى الخبير في الشؤون الروسية، أن استمرار المواجهة في المنطقة قد يمنح موسكو مجالا أوسع للتأثير في التوازنات الإقليمية، وقد يشكل ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها في سياق الصراعات الدولية الأوسع.
من جانبه، يرى محمد عثمان، خبير العلاقات الدولية، أن التصعيد المرتبط بإيران لا يعزز فقط السردية الروسية حول "القلعة المحاصرة"، بل يكشف أيضاً حدود فكرة العزلة التي كثيرًا ما تُنسب إلى موسكو في الخطاب السياسي الغربي.
وكشف عثمان في حديثه لـ"إرم نيوز" أن تصوير روسيا كدولة معزولة لا يعكس بدقة طبيعة علاقاتها الدولية الحالية، خاصة وأنها ما زالت تمتلك شبكة واسعة من الشراكات السياسية والاقتصادية خارج الإطار الغربي، خاصة مع الصين والهند وعدد كبير من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وبحسب عثمان، هذه العلاقات لا تقتصر على التنسيق السياسي، بل تمتد إلى مجالات التجارة والطاقة والاستثمار؛ ما يحد من تأثير الضغوط الغربية.
وأضاف خبير العلاقات الدولية أن التحول في السياسة الروسية خلال السنوات الأخيرة يعكس عملية إعادة تموضع في النظام الدولي أكثر من كونه حالة عزلة.، خاصة وأن روسيا أعادت توجيه جزء كبير من علاقاتها الاقتصادية نحو دول الجنوب العالمي، مستفيدة من مواردها الطبيعية وقدراتها العسكرية ودورها المحوري في أسواق الطاقة.
وفي ما يتعلق بالحرب المرتبطة بإيران، أوضح عثمان أن موسكو تتعامل مع الأزمة بحذر واضح. فرغم علاقاتها الوثيقة مع طهران، فإن القيادة الروسية تحرص على تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، مفضلة إدارة التوازنات بدقة في ظل تعقيد المشهد الدولي.
وتابع: "التصعيد الإقليمي قد يسهم في تعزيز الرواية الروسية حول الضغوط الغربية، لكنه في الوقت ذاته يبرز قدرة موسكو على التكيف مع التحولات الجيوسياسية وإعادة ترتيب موقعها في النظام الدولي".