دوي انفجار عقب إطلاق صفارات الإنذار في شمال تل أبيب

logo
العالم

إرث العراق وأخطاء بلير.. حرب إيران تختبر "العلاقة الخاصة" بين واشنطن ولندن

طائرات أمريكية من طراز B‑1المصدر: رويترز

مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، اتسعت دائرة التفاعلات السياسية داخل التحالف الغربي، بعدما تحولت مسألة استخدام القواعد العسكرية البريطانية وتوقيت المشاركة في العمليات إلى نقطة احتكاك علنية بين واشنطن ولندن.

فمنذ اندلاع الحرب، تحركت الولايات المتحدة لقيادة العمليات العسكرية ضمن استراتيجية تستهدف تقليص القدرات الإيرانية في المنطقة، بينما ركزت الحكومة البريطانية على تحديد الإطار القانوني والسياسي لمشاركتها العسكرية، مع التأكيد على ضرورة أن تكون أي مساهمة ضمن خطة عمليات واضحة ومتفق عليها مع الحلفاء. 

أخبار ذات علاقة

ترامب وميرتس

بين خيانة المبادئ والواقعية السياسية.. لغز الدعم الألماني المطلق لحرب إيران

بين السجال السياسي والتنسيق العسكري

وكان التوتر السياسي قد تصاعد بين العاصمتين، عندما اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحكومة البريطانية بمحاولة "الانضمام إلى الحرب بعد أن تكون قد حُسمت"، في إشارة إلى تردد لندن في السماح باستخدام قواعدها في الضربات الأولى.

لكن ورغم هذه الانتقادات، أجرى الزعيمان اتصالًا هاتفيًا لاحقًا لمناقشة التعاون العسكري في الشرق الأوسط، في محاولة لاحتواء التوتر داخل التحالف التقليدي بين البلدين.

بينما أكدت وزارة الدفاع البريطانية أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل استخدام قواعد عسكرية بريطانية في عمليات مرتبطة بالحرب، لكنها وصفتها بأنها "عمليات دفاعية محددة" تهدف إلى منع إيران من إطلاق مزيد من الصواريخ نحو المنطقة.

وتشمل هذه القواعد قاعدة RAF Fairford في جنوب غربي إنجلترا، وقاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وهما موقعان استراتيجيان يستخدمهما الجيش الأمريكي منذ سنوات في عملياته بعيدة المدى. 

كما وصلت قاذفات أمريكية من طراز B-1 Lancer إلى قاعدة فيرفورد، في خطوة تعكس استخدام الأراضي البريطانية كنقطة انطلاق للعمليات الجوية الأمريكية المرتبطة بالحرب على إيران.

في حين أثار الموقف الحذر للحكومة البريطانية نقاشًا داخليًا في لندن، فقد دافعت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، عن ما وصفته بالنهج الهادئ والمدروس في التعامل مع الحرب، مؤكدة أن قرارات المشاركة العسكرية يجب أن تُتخذ وفق المصلحة الوطنية البريطانية وليس تحت ضغط الخطاب السياسي أو الإعلامي.

اختلاف الإيقاع بين القرار العسكري الأمريكي ومتطلبات التقييم السياسي والقانوني في لندن أعاد فتح نقاش قديم في إدارة التحالفات العسكرية، يتعلق بآليات التنسيق بين الحلفاء عندما تتقاطع العمليات الميدانية مع الحسابات السياسية لكل دولة.

ويعكس هذا النقاش بدوره اختلافًا أعمق في طريقة تعامل البلدين مع التحالفات العسكرية، وهو اختلاف لا يمكن فهمه بالكامل من دون العودة إلى التاريخ الطويل للعلاقة بين واشنطن ولندن.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب وكير ستارمر

بعد انتقادات لبريطانيا.. ترامب وستارمر يناقشان الحرب الإيرانية

إرث التحالف 

تعود جذور ما يُعرف بـ"العلاقة الخاصة" بين واشنطن ولندن إلى سنوات الحرب العالمية الثانية، حين تشكلت الشراكة العسكرية بين البلدين في مواجهة ألمانيا النازية.

ومع قيام حلف شمال الأطلسي خلال الحرب الباردة، ترسخ موقع بريطانيا بوصفها الشريك الأوروبي الأقرب للولايات المتحدة في مجالي الأمن والاستخبارات.

لكن هذا التاريخ الطويل لم يكن خاليًا من التوترات، فقد كشفت أزمة السويس عام 1956، عندما عارضت واشنطن التدخل العسكري البريطاني–الفرنسي في مصر، أن المصالح الاستراتيجية للبلدين قد تتباعد أحيانًا، وأن ميزان القوة داخل التحالف يميل بوضوح لصالح الولايات المتحدة.

أخبار ذات علاقة

 حاملة الطائرات البريطانية إتش إم إس برينس أوف ويلز

لندن تعيد حساباتها.. حاملة الطائرات “برينس أوف ويلز” لن تتجه إلى الشرق الأوسط

من العراق إلى إيران.. ذاكرة الحرب

أحد أهم السياقات التي تفسر حذر لندن في الأزمة الحالية هو الإرث السياسي لحرب العراق عام 2003، فقد شاركت بريطانيا حينها بقوة إلى جانب الولايات المتحدة في الغزو الذي قاده الرئيس الأمريكي جورج بوش، بدعم كامل من حكومة توني بلير.

غير أن تلك الحرب تحولت لاحقًا إلى نقطة جدل عميق داخل السياسة البريطانية، خصوصًا بعد التحقيقات التي أشارت إلى مبالغات في المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل. 

لهذا السبب، حرص ستارمر منذ بداية الحرب على إيران على التأكيد أن أي تدخل بريطاني يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح وخطة عسكرية مدروسة. ما يعكس محاولة لتجنب تكرار التجربة السياسية التي عاشتها لندن بعد حرب العراق، عندما واجهت الحكومة اتهامات بتوريط البلاد في حرب طويلة الأمد.

قيادة الحرب واختلاف الإيقاع

في المقابل، تعاملت الإدارة الأمريكية مع الحرب على إيران باعتبارها عملية عسكرية ينبغي حسمها بسرعة، سواء عبر استهداف البنية الصاروخية الإيرانية أم عبر فرض معادلة ردع جديدة في المنطقة.

ضمن هذا السياق، جاءت تصريحات ترامب التي قلّل فيها من أهمية الدعم العسكري البريطاني لتكشف عن توتر سياسي واضح، ما يعكس اختلافًا في طريقة إدارة التحالف بين البلدين، ففي حين تميل واشنطن إلى التعامل مع الحرب كقرار سيادي أمريكي يمكن للحلفاء دعمه لاحقًا، تحاول لندن الحفاظ على دور أكثر توازنًا، يراعي حساباتها القانونية والسياسية الداخلية.

وتكشف الحرب على إيران عن معادلة دقيقة داخل التحالف الغربي. فمن جهة، تبقى الولايات المتحدة القوة العسكرية الرئيسة التي تقود العمليات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى، تحاول الدول الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا، الحفاظ على هامش من الاستقلال السياسي في كيفية المشاركة في هذه العمليات.

وبين هذين المنطقين، تبدو "العلاقة الخاصة" بين واشنطن ولندن وكأنها تمر باختبار جديد، فالتاريخ الطويل للتحالف يشير إلى قدرته على تجاوز الأزمات، لكنه يكشف أيضًا أن تلك العلاقة ليست ثابتة بالكامل، بل تتغير تبعًا لتوازنات القوة والظروف السياسية في كل مرحلة.

ومن خلال هذا الجانب، قد لا تكون الخلافات الحالية حول الحرب على إيران سوى فصل جديد في تاريخ طويل من التعاون والتوتر بين الحليفين، ولكن ما يجعل هذه اللحظة مختلفة هو أنها تأتي في وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات واسعة، ما يجعل أي توتر داخل العلاقة الأمريكية–البريطانية يحمل دلالات تتجاوز حدود الحرب نفسها، ليعكس في الوقت ذاته التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC