خلال الأيام الأخيرة من مارس الماضي، تصاعدت التصريحات السياسية والعسكرية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، بالتزامن مع تحول كبير في الاهتمام الدولي نحو التوترات في الشرق الأوسط، خاصة بعد التصعيد المرتبط بإيران.
وتزامن ذلك مع تحذيرات ومخاوف أوكرانية رسمية من تأثير هذا التحول على الدعم العسكري والاقتصادي، وسط استمرار العمليات العسكرية على الجبهات الشرقية، خاصة في مناطق دونيتسك ولوهانسك، وتحديدًا محيط باخموت وسلوفيانسك.
قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة مع "أكسيوس": "أنا متأكد أن روسيا تريد حربًا طويلة، ولديهم فوائد منها، الولايات المتحدة تركّز على الشرق الأوسط وقد تقلل المساعدة العسكرية لأوكرانيا. العقوبات خُفِّفت جزئيّا".
وأضاف: "لست قلقًا فحسب، بل أنا متأكد من أننا سنواجه تحديات كهذه، وأن تأثير أي تغييرات في إمدادات السلاح يغير مسار العمليات".
وفي مقابلة أخرى خلال مارس، أوضح زيلينسكي أن تخفيف القيود على صادرات الطاقة الروسية ينعكس على قدرات موسكو المالية، قائلًا: "إذا حصلوا الآن على المزيد من المال من الطاقة، فهذا لا يساعدنا".
وخلال خطاب أمام البرلمان البريطاني، وصف زيلينسكي العلاقة بين موسكو وطهران قائلًا: "روسيا وإيران أشقّاء في الكراهية، ولهذا هم أشقّاء في السلاح"، مطالبًا بالحفاظ على التركيز الدولي على الحرب في أوكرانيا.
وفي المقابل، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: "هذا توقف ظرفي، لأسباب واضحة ونحن منفتحون ونتواصل مع الأمريكيين ونعول على عقد الجولة القادمة من المحادثات حالما تسمح الظروف".
وأعلن رئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف، أن الهجوم يُنفذ في جميع الاتجاهات، وأن القوات الروسية تتقدم بنشاط نحو سلوفيانسك، مع استمرار المعارك داخل مناطق حضرية في كوستيانتينيفكا.
ومن جانبه، قال أولكساندر سيرسكي، القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، إن الخسائر الروسية خلال أسبوع واحد تجاوزت 8710 جنود بين قتيل وجريح، مع استمرار العمليات الهجومية.
وأظهر تقير لواشنطن بوست، أن عائدات النفط الروسية ارتفعت إلى نحو 2.07 مليار دولار أسبوعيًا، بزيادة تقارب 890 مليون دولار خلال أسبوع واحد.
في السياق ذاته، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الحديث عن ضغوط لتنازل أوكرانيا عن أراض كذب، مؤكدًا أن ضمانات الأمن لن تُفعل قبل انتهاء الحرب.
أكد إيفان يواس، مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، أن التطورات المتسارعة في إيران فرضت نفسها على صدارة المشهد الإعلامي الدولي، متقدمة على الحرب في أوكرانيا وغيرها من الملفات الساخنة.
وأشار في تصريح لـ«إرم نيوز» إلى أن هذا التحول في بوصلة الاهتمام العالمي يثير مخاوف جدية داخل الأوساط الأوكرانية في ظل احتمالات تراجع أولوية الصراع مع روسيا على أجندة القوى الدولية.
وكشف يواس أن التحولات الحالية تمتد إلى طبيعة القرارات السياسية والعسكرية، حيث بدأت الولايات المتحدة في إعادة توجيه جزء من دعمها العسكري بعيدًا عن أوروبا، وذلك لصالح دعم مباشر لإسرائيل في مواجهتها مع إيران.
وأضاف مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، أن هذا التغيير في مسار الإمدادات العسكرية يعكس تحولًا في أولويات واشنطن، خاصة في ظل عدم الالتزام الكامل ببعض الترتيبات السابقة مع الاتحاد الأوروبي بشأن تسليم الأسلحة التي تم تمويلها أوروبيًا.
وتابع: "هذا الواقع يضع أوروبا أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في ضرورة التعامل مع تداعيات الأزمة في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على التزاماتها تجاه أوكرانيا".
وأكد أن استمرار هذا المسار قد يدفع كييف إلى الاعتماد بشكل أكبر على الدعم الأمريكي المباشر، سواء على المستوى العسكري أم الاستخباراتي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الجبهة الأوكرانية.
ومن جانبه، أكد مصطفى الخفاجي، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي، أن التحولات التي شهدها الشرق الأوسط عقب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أدت إلى إعادة ترتيب أولويات الغرب بشكل واضح، مع انتقال مركز الاهتمام نحو الملف الإيراني.
وأضاف في تصريح لـ«إرم نيوز» أن تسارع الأحداث سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا خلق بيئة ضاغطة على الدول الأوروبية، والتي انعكست بشكل مباشر على مستوى ونوعية الدعم المقدم لأوكرانيا.
وقال المحلل السياسي أن كييف تواجه في الوقت الراهن تحديات متراكمة، تشمل استمرار العمليات العسكرية الروسية إلى جانب أزمة اقتصادية متفاقمة أثرت على قدرتها المالية.
وأشار الخفاجي إلى أن المخاوف الأوكرانية تتزايد مع شعور القيادة في كييف بأن أوروبا قد تعيد توجيه مواردها واهتمامها نحو الشرق الأوسط، خاصة في ظل تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على إمدادات الطاقة.
وأوضح الخبير الاستراتيجي أن هذه الأزمة منحت روسيا فرصة اقتصادية لتعويض خسائرها، من خلال تصدير النفط والغاز بأسعار أعلى، ما عزز من قدرتها على مواصلة الحرب.
وأكد أن التباينات بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بشأن إدارة الملف الإيراني ساهمت في تعميق الأزمة؛ إذ أبدت عواصم أوروبية تحفظات على النهج الأمريكي المنفرد.
وأضاف أن هذا الانقسام لا يقتصر على الحكومات، بل يمتد إلى الرأي العام؛ ما يزيد تعقيد المشهد، مؤكدًا أن استمرار هذه الخلافات سيؤدي إلى تآكل الدعم الأوروبي لأوكرانيا، في وقت تسعى فيه كييف للبحث عن بدائل تمويل ودعم لمواجهة التفوق الروسي.