تزامنت مبادرة هدنة عيد الفصح التي طرحتها أوكرانيا قبل أيام مع تصعيد في التصريحات الروسية المتعلقة بشروط إنهاء الحرب، خاصة في إقليم دونباس، حيث برزت مطالب مباشرة بانسحاب القوات الأوكرانية منها.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: "إذا كانت روسيا مستعدة لوقف ضرباتها على منشآت الطاقة الأوكرانية، فلن نرد بضرب منشآت طاقتهم"، مؤكدًا أن بلاده مستعدة لوقف إطلاق النار في أي وقت، وأن هدنة عيد الفصح هي أحد الخيارات.
كما أعلن زيلينسكي خلال قمة بوتشا أنه سيطلب من وسطاء أمريكيين نقل مقترح الهدنة إلى موسكو، قائلًا: "سأطلب منهم بالتأكيد نقله إلى الجانب الروسي"، مشيرًا إلى أن "كييف تلقت إشارات من شركاء دوليين بشأن تقليص الضربات على قطاع الطاقة الروسي".
من جانبه، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: "من تصريحات زيلينسكي التي قرأناها، لم نر أي مبادرات محددة بشكل واضح لهدنة عيد الفصح"، مؤكدًا أن "المطلوب هو تحقيق السلام، لا وقف إطلاق النار".
وصعّد بيسكوف الموقف الروسي قائلًا: "على زيلينسكي أن يتخذ اليوم قرارًا بانسحاب القوات الأوكرانية من أراضي دونباس"، معتبرًا أن "التراجع إلى ما وراء الحدود الإدارية لدونيتسك سيوقف المرحلة الساخنة من هذه الحرب".
بدوره، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي غريغوري كاراسين إن تصريحات زيلينسكي بشأن الهدنة "لا ينبغي أن تُؤخذ بجدية".
وذكر زيلينسكي خلال قمة بوتشا أن روسيا طرحت شروطًا تتعلق بانسحاب أوكرانيا من شرق البلاد، قائلًا: "يرون نهاية الحرب حين تنسحب أوكرانيا من الشرق".
وأضاف: "موسكو تضع مهلًا زمنية، وتحدثت عن السيطرة على دونباس خلال شهرين، مع استمرار الضغوط في المفاوضات الجارية".
ويبدو أن مبادرة هدنة عيد الفصح تتزامن مع تصعيد في الشروط المطروحة بشأن إقليم دونباس، وهو ما يضع طريق التهدئة بين مقترحات وقف القتال ومتطلبات إنهاء الحرب وفق الشروط المطروحة من الطرفين.
ورأى خبير العلاقات الدولية، الدكتور مهند رضوان، أن التطورات الميدانية والسياسية خلال الفترة الأخيرة تعكس تبني روسيا نهجًا واضحًا يقوم على توظيف المبادرات الإنسانية، وعلى رأسها هدنة عيد الفصح، كأداة ضغط لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية في إقليم دونباس.
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز" قال رضوان إن موسكو تعاملت مع المقترح الأوكراني الخاص بهدنة تشمل قطاع الطاقة والعمليات القتالية بأسلوب قائم على الإنكار والمماطلة، حيث شككت في جدية الطرح، واعتبرت أن كييف لم تقدم مبادرة رسمية متكاملة، خاصة أنها مجرد أفكار عامة تفتقر إلى آليات التنفيذ.
وأضاف رضوان أن الكرملين صعد خطابه عبر التأكيد أن المطلوب ليس وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، بل "قرارات شجاعة" لتحقيق السلام، وأن هذا الطرح يتزامن مع استغلال الزخم العسكري الحالي لفرض شروط أكثر صرامة، أبرزها مطالبة القوات الأوكرانية بالانسحاب الكامل من دونباس.
ولفت خبير العلاقات الدولية إلى أن موسكو تحاول خلق حالة استعجال مصطنعة، من خلال التلميح إلى أن رفض هذه الشروط سيؤدي إلى تصعيد عسكري واسع قد يستهدف السيطرة الكاملة على الإقليم خلال فترة زمنية محددة.
وأشار إلى أن هذه التحركات لا تقتصر على الأهداف العسكرية، بل تمتد إلى أبعاد استراتيجية أوسع، تشمل استثمار حالة الإنهاك التي تعاني منها أوكرانيا، إلى جانب توظيف أدوات الحرب النفسية للتأثير على مواقف الدول الغربية.
وأوضح رضوان أن الخطط الروسية المعلنة لاستغلال الموارد والمعادن في المناطق الخاضعة لسيطرتها تعزز من أهمية السيطرة الكاملة على دونباس كهدف طويل الأمد.
وشدد على أن موسكو تسعى إلى تحويل هدنة عيد الفصح إلى "فخ دبلوماسي"، يضع أوكرانيا بين خيار القبول بشروط قاسية أو تحمل تبعات التصعيد العسكري.
من جانبه، قال رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، الدكتور عماد أبو الرب، إن مسألة الهدن بين روسيا وأوكرانيا ليست جديدة، بل طرحت مرارًا منذ بداية الحرب في مناسبات مختلفة، بما في ذلك الأعياد الدينية، إلا أن هذه المحاولات لم تحقق استمرارية أو نتائج ملموسة.
وتابع في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن استمرار الحرب، في ظل غياب توافق دولي واضح بشأن آليات التهدئة، يجعل الحاجة إلى هدنة إنسانية أكثر إلحاحًا، خاصة لتخفيف الأعباء عن المدنيين وإتاحة المجال لمعالجة الجوانب الإنسانية.
وأضاف رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، أن روسيا تتعامل مع هذه المبادرات عبر تكثيف الضغط العسكري على الجبهات، بهدف دفع أوكرانيا إلى القبول بشروطها، مشيرًا إلى أن موسكو تعتبر الهدن فرصة لإعادة تموضع القوات الأوكرانية، وهو ما تستخدمه مبررًا لرفضها.
وأكد أن أي دور دولي في هذا السياق يجب أن يتجاوز الدعوة إلى وقف إطلاق النار، ليشمل ضمانات رقابية تمنع خرق الهدنة وتضمن تنفيذها على الأرض.
وأشار أبو الرب إلى أن المشهد الحالي يتسم بحالة استنزاف متبادل، حيث لا يمكن الحديث عن حسم عسكري واضح لأي طرف، في ظل استمرار العمليات وتبادل السيطرة على بعض المناطق.
وأضاف أن روسيا لم تتمكن حتى الآن من فرض سيطرة كاملة على دونباس رغم تكثيف عملياتها، خاصة في مناطق دونيتسك، مقابل استمرار الدفاعات الأوكرانية ومحاولات استنزاف القوات الروسية.