متحدث باسم الخارجية الباكستانية: نتواصل بشكل فعال مع القيادة الأمريكية لإيجاد تسوية لحرب إيران
تحوّلت محطة بوشهر إلى بؤرة توتر إقليمي، مع تزايد المخاوف من استهداف منشآت نووية حساسة في إيران في خضم الحرب.
ودفعت هذه التوترات موسكو إلى إعادة صياغة أدواتها لحماية المحطة، التي تمثل أحد أبرز استثماراتها الاستراتيجية في إيران، من خلال مزيج من التحرك الميداني والضغط الدبلوماسي المكثف.
تقع محطة بوشهر على ساحل الخليج، وتعمل بمفاعل من طراز "WWER-1000" قدرة 1000 ميغاواط، وتخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع اعتمادها على الوقود الروسي الذي يُعاد بعد استخدامه إلى موسكو.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن "روسيا على اتصال دائم بالوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الوضع في محطة بوشهر"، مؤكدًا أن موسكو تتابع التطورات من كثب في ظل التصعيد العسكري.
من جانبه، صعّد المدير العام لشركة روس آتوم أليكسي ليخاتشيف لهجته، معلنًا أن سلامة محطة بوشهر لم تعد تمثّل خطا أحمر كما كانت في السابق، وأن إصابة سُجلت في منطقة محطة الضخ، وهي عنصر حيوي في منظومة الأمان، واصفًا ذلك بأنه "إشارة خطيرة على تغير قواعد الاشتباك".
وكشف ليخاتشيف عن إجراءات ميدانية اتخذتها موسكو، قائلاً: "أجلينا 163 خبيرًا إضافيًا ضمن المرحلة الثالثة من الإخلاء"، مشيرًا إلى أن عدد الخبراء الروس في الموقع تم تقليصه إلى الحد الأدنى لضمان استمرار التشغيل الآمن دون تعريض الأفراد للخطر.
ودعت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إلى وقف فوري للهجمات، مؤكدة أن "الضربات على المنشآت النووية الإيرانية، بما في ذلك بوشهر، تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي".
وفي المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على بوشهر وأراك وأصفهان تمثل جرائم واضحة، مضيفًا أن هذه الهجمات تخالف قرارات مجلس الأمن ولوائح الوكالة الدولية.
وانتقد بقائي المدير العام للوكالة، قائلاً إن نهج رافائيل غروسي كان خاطئًا للغاية، واكتفى بالصمت بدلًا من إدانة هذه الانتهاكات.
على الجانب الأمريكي، أعلن الرئيس دونالد ترامب تمديد تعليق استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، قائلاً: "سنمنح مهلة إضافية مدتها 10 أيام، لأن المحادثات تسير بشكل جيد للغاية".
في السياق ذاته، كشفت تقارير عن مقترح أمريكي يتضمن وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، مقابل خطوات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وهو ما رفضته طهران، معتبرة إياه "مفرطًا وغير متوازن".
وأكد السفير الإسرائيلي في موسكو، أوديد جوزيف، أن بلاده تأخذ في الاعتبار المخاوف الروسية بشأن محطة بوشهر، مشددًا على أن المنشأة ليست هدفًا ضمن العمليات العسكرية.
ورغم ذلك، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استمرار العمليات العسكرية، مؤكدًا أن الحملة ضد إيران ستتواصل بكامل قوتها.
وأكد رامي القليوبي، الأستاذ بكلية الاستشراق بالمدرسة العليا للاقتصاد بموسكو، أن قدرة روسيا على ضمان الأمان الكامل لمحطة "بوشهر" النووية تظل محدودة في ظل طبيعة التهديدات القائمة، مشيرًا إلى أن وجود شظايا وحطام داخل نطاق المحطة يعكس مستوى المخاطر التي لا يمكن السيطرة عليها بالكامل حتى مع الإجراءات الاحترازية.
وأضاف القليوبي لـ"إرم نيوز" أن موسكو بدأت بالفعل منذ فترة في إجلاء المدنيين من محيط "بوشهر" كخطوة استباقية لتقليل الخسائر البشرية، إلا أن هذه الخطوة لا تعني القضاء على الخطر، بل تندرج ضمن إدارة الأزمة وليس حلها.
وقال إن روسيا قد تتعامل مع المحطة كورقة ضغط دولية، على غرار ما حدث في ملف «زابورجيا»، حيث يتم توظيف المخاطر النووية في سياق الصراع السياسي والإعلامي، بما يسمح لموسكو بإعادة صياغة المشهد الدولي وإبراز خصومها كأطراف تتحمل مسؤولية التصعيد.
وأشار إلى أن الحديث عن مخاطر نووية واسعة قد يكون مبالغًا فيه في بعض الأحيان، لأن هذه المنشآت تخضع لتحصينات عسكرية تجعل استهدافها بأسلحة تقليدية أمرًا بالغ الصعوبة.
وشدد على أن أي احتمال للخطر، حتى وإن كان محدودًا، يستدعي إبعاد المنشآت النووية عن مناطق النزاع، حفاظًا على الأمن الدولي.
ولفت رامي القليوبي إلى أن خصوصية الوضع الحالي تكمن في وقوع المواجهات داخل دول تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد مقارنة بصراعات سابقة لم تكن تحمل نفس الدرجة من المخاطر التقنية.
من جانبه، أكد مصطفى الخفاجي، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي، أن محطة "بوشه" تمثل أحد أهم الأصول الحيوية في البرنامج النووي الإيراني، خاصة مع إدارتها وتشغيلها من قبل خبراء روس في إطار ترتيبات تقنية معقدة تعكس عمق التعاون بين موسكو وطهران.
وذكر الخفاجي لـ"إرم نيوز" أن روسيا تولي اهتمامًا بالغًا بسلامة المحطة، في ظل التهديدات المتكررة باستهدافها، وهو ما دفعها إلى التحرك عبر قنوات دبلوماسية متعددة لضمان عدم تعرضها لأي ضربات، مع التركيز على حماية الطواقم الروسية العاملة داخلها.
وأضاف أن هذا التحرك لا يقتصر على البعد الإنساني فقط، وأنه يمتد ليشمل حماية مصالح استراتيجية روسية مرتبطة باستمرارية تشغيل المنشأة وعدم تعطلها.
وكشف المحلل السياسي وجود مئات الخبراء الروس داخل المحطة يمثل في حد ذاته رسالة ردع غير مباشرة، تعزز من فرص تحييدها عن دائرة الاستهداف، في ظل إدراك الأطراف الأخرى لحساسية أي تصعيد قد يمس المصالح الروسية.
ولفت إلى أن موسكو تتابع التطورات بشكل دقيق، وتعمل بالتوازي على تقديم مبادرات ووساطات لاحتواء التصعيد، خاصة مع تزايد حدة المواجهة بين إيران وإسرائيل، التي انعكست في استهدافات متبادلة لمنشآت حساسة.
وأكد الخبير الاستراتيجي أن التحركات الروسية، سواء عبر الضغط الدبلوماسي أو التواصل السياسي المستمر، تسهم في خلق مظلة حماية نسبية للمحطة، وتدعم استمرارية تشغيلها بشكل آمن، بما يعكس دور موسكو كفاعل رئيس في منع انزلاق الأزمة نحو سيناريوهات أكثر خطورة.