logo
العالم

أبرزها "الإسلام السياسي".. أوروبا تواجه اختبارات مصيرية في 2026

علم الاتحاد الأوروبيالمصدر: رويترز

تستقبل أوروبا العام الجديد وهي مثقلة بملفات عدة تختبر قدرتها على التكيف واجتراح الحلول، بدءًا من الحرب على حدودها الشرقية، مرورًا بتداعيات وضغوط الهجرة، ومخاوف صعود اليمين المتطرف، وليس انتهاءً بقضايا البيئة والمناخ.

ويرى خبراء أن هذه التحديات المعقدة والمتداخلة تفرض على القارة العجوز إيجاد تسويات غير تقليدية تضمن لها مصالحها ودورها الطموح في عالم مضطرب.

ورجح الخبراء في قراءتهم للوضع الحالي أن الانقسام الأوروبي، الذي طبع العام الماضي، قد يتفاقم خلال العام المقبل ويحد من قدرتها على التحرك بفعالية.

حرب أوكرانيا

وتعدّ الحرب الأوكرانية التي ستبلغ عامها الرابع في فبراير/ شباط، المقبل أحد أكبر التحديات التي تواجه القارة، من دون أفق واضح للحسم، وهو ما سيزيد الأعباء والضغوط.

ووفقًا للتقديرات، فقد قدمت أوروبا منذ بدء الحرب أكثر من 200 مليار دولار كدعم شمل تجهيزات ومعدات للقوات الأوكرانية، وتدريبها، وتمويل ميزانية الدولة والمؤسسات الحكومية، بالإضافة إلى مساعدات للاجئين والنازحين.

وإلى جانب هذا الدعم السخي لأوكرانيا، اضطرت الدول الأوروبية إلى رفع الإنفاق الدفاعي، إذ التزمت معظم الدول بالوصول إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وفق معايير "الناتو".

وخصصت ألمانيا وحدها صندوقًا خاصًا بقيمة 100 مليار يورو لتحديث جيشها، فيما رفعت بولندا ودول البلطيق إنفاقها الدفاعي إلى ما بين 3 و4% من ناتجها المحلي.

ويرى خبراء أن هذا "الاستنزاف" لموارد القارة بفعل  الحرب الأوكرانية لم تقتصر آثاره على الجانب الاقتصادي، بل طال المشهد السياسي، وأحدث تغييرًا في مزاج الناخبين، حيث استغلت الأحزاب اليمينية المتطرفة الكلفة الباهظة للحرب الأوكرانية وشككت في جدوى دعم كييف، وهو ما رفع رصيدها الانتخابي.

أخبار ذات علاقة

فلاديمير بوتين

بوتين يتجاهل معظم زعماء أوروبا في "برقيات تهنئة" لقادة العالم

اليمين المتطرف

ومن المرجح أن يمثل صعود اليمين المتطرف أحد أخطر التحديات التي ستواجه أوروبا خلال العام الجديد، بعد أن حقق نتائج وصفت بـ"التاريخية" في عدد من الدول، كما حدث في انتخابات البرلمان الأوروبي العام الفائت، حيث أصبح التيار اليميني قوة مؤثرة في رسم الأجندة الأوروبية.

وفي ألمانيا، صعد "حزب البديل"، محققًا نتائج غير مسبوقة بحصوله على أكثر من 20% من أصوات الناخبين في انتخابات فبراير/ شباط الماضي ليحل في المرتبة الثانية على مستوى البلاد، ومن المتوقع أن يرتفع رصيده خلال العام الجديد.

أما في فرنسا، فلا يزال حزب "التجمع الوطني" في موقع متقدم استعدادًا للانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما تشارك أحزاب يمينية متشددة بالفعل في الحكم أو تدعمه من الخارج في دول مثل إيطاليا، وهولندا، وفنلندا، وسلوفاكيا.

ولا تختزل سياسة اليمين في مناهضة الهجرة ووقف الدعم لأوكرانيا، بل تتشعب إلى حد التشكيك في استقلالية القضاء، وحرية الإعلام، وجدوى التكتل الأوروبي ذاته، وهو ما يثير المخاوف بشأن استقرار القارة، ويضع بروكسل أمام معضلة التوازن بين حماية ديمقراطيتها من جهة، ومكافحة السردية اليمينية المتطرفة من جهة أخرى.

الهجرة واللجوء

ويستمر ملف الهجرة كأحد أبرز التحديات في أوروبا خلال عام 2026، خصوصًا في ظل المفارقة المتمثلة في حاجة القارة إلى العمالة المهاجرة، نتيجة فقدان العمالة المحلية بسبب الشيخوخة وتراجع معدلات الولادات، وضرورة ضبط الانعكاسات السلبية للهجرة في ذات الوقت.

وتدفقت على القارة موجات من المهاجرين في السنوات الأخيرة حيث سجل الاتحاد الأوروبي أكثر من مليون طلب لجوء سنويًا، وهو ما عزز مخاوف أمنية واقتصادية وثقافية، فضلاً عن أعباء إدارية وخدمية وتعليمية وصحية باتت تهدد "دولة الرفاه" الأوروبية.

أخبار ذات علاقة

أنانبيب الغاز الروسي

بعد إغلاق المعبر الأوكراني.. الغاز الروسي لأوروبا عند أدنى مستوياته

ورغم أن الاتفاق الأوروبي الجديد حول الهجرة واللجوء يهدف إلى تشديد الرقابة على الحدود، وتسريع البت في إجراءات اللجوء، وتوسيع قائمة الدول الآمنة بما يتيح تكثيف الترحيل، وإنشاء مراكز لمعالجة طلبات اللجوء خارج الاتحاد الأوروبي.

غير أن نجاعة هذه السياسة تتوقف على مدى التوافق في تطبيق آليات مشتركة، ناهيك عن انتقادات قانونية وحقوقية تواجه هذا النهج المتشدد بشأن الهجرة.

الإسلام السياسي

ومن المتوقع أن تحتل محاربة الفكر المتطرف أولوية خلال العام المقبل في أوروبا، التي شددت إجراءات الملاحقة والمراقبة خلال العام المنقضي.

وعلى عكس الصورة النمطية التي تقتصر على مكافحة "العنف المسلح" فحسب، شرعت القارة في توسيع القوس ليشمل جذور الفكر المتطرف غير العنيف، الذي يتسلل إلى الفضاء العام باسم الدين، ويعد الإسلام السياسي أحد أبرز تجليات هذا التحدي الأمني.

وفقًا لذلك، يتوقع خبراء أن تواجه أوروبا خلال العام الجديد جماعة الإخوان المسلمين وتيارات متصلة بها بصورة حازمة، ذلك أن الفكر الراديكالي لهذه الحركات يمتد عبر مؤسسات وجمعيات تتخذ من النشاط الدعوي والديني غطاءً لنشر التطرف، الذي يعد بمثابة تمهيد لـ"العنف والإرهاب".

ويلاحظ الخبراء أن جماعة الإخوان، وما يماثلها من تنظيمات، عمدت إلى استغلال مناخ التسامح الأوروبي طوال عقود، وبنت "مافيات" ضغط سياسي، و"غيتوهات" مغلقة، ورسخت نفوذها في مؤسسات الدولة، وهو ما يثير مخاوف بشأن قيم القارة التي قد تصل إجراءاتها الرقابية إلى حد "الحظر".

وكان تقرير فرنسي رسمي صدر العام المنصرم وصف النفوذ الإخواني بأنه يشكل تهديدًا للوحدة الوطنية والقيم العلمانية، مع دعوات لإجراءات رادعة، في حين اتخذت ألمانيا خطوات عملية ضد جماعات ذات أيديولوجيا مشابهة حين حظرت مجموعة "مسلم إنترآكتيف" بتهمة نشر خطاب يتضمن تمييزًا ومعاداة للدستور الألماني، في إطار جهود أوسع لمكافحة التطرف الفكري.

وشهدت عواصم أوروبية احتجاجات ومبادرات إعلامية خلال 2025 للتوعية بمخاطر الخطاب المتطرف لبعض تنظيمات الإسلام السياسي، مع دعوات إلى اعتبارها "منظمات إرهابية"، وهو ما قد يتحقق العام الجديد.

أزمة القيادة

ويعدّ "الفراغ القيادي" من بين التحديات التي ستواجه أوروبا، التي لم تتمكن من إيجاد نموذج سياسي مرجعي يجمع بين الثقل السياسي، والقدرة على بناء التوافقات.

ويوضح خبراء أن فرنسا، التي طالما رأت نفسها محركًا سياسيًا للاتحاد، باتت غارقة في انقسامات داخلية وتراجع في ثقة المواطنين بالنخب الحاكمة، ما قيد قدرتها على المبادرة والمناورة.

وتبدو القيادة في ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، مشلولة نسبيًا بفعل صراعات ائتلافية وضغوط داخلية متراكمة، جعلت سياستها الخارجية أكثر حذرًا وترددًا.

في المقابل، تركز إيطاليا وإسبانيا على إدارة أزماتهما الداخلية بدل الاضطلاع بدور قيادي أوروبي، فيما تتقدم دول شرق أوروبا سياسيًا داخل الاتحاد، لكن بخطاب قومي يتجه شرقا نحو موسكو أكثر من الاتجاه غربًا نحو بروكسل.

وينعكس هذا الفراغ القيادي في بطء اتخاذ القرارات المشتركة، والتردد في حسم الملفات العالقة، وهذا ما أشار إليه الرئيس البرازيلي حين شكا، في وقت سابق من هذا الشهر، من البطء الأوروبي في التوقيع على الاتفاقيات، في إشارة إلى اتفاق ميركوسور الاقتصادي المؤجل.

وعلى هذا النحو تدخل أوروبا عام 2026 وهي تفتقر إلى مركز ثقل سياسي يوحّد الكلمة، ويمنح المشروع الأوروبي دورًا مؤثرًا.

علاوة على ذلك، يمثل ملف التوسّع في الاتحاد الأوروبي أحد التحديات المنتظرة، ليس بسبب غياب المرشحين، بل بسبب هشاشة الحسم الأوروبي.

فمن جهة، يقدّم الاتحاد الأوروبي وعودًا متكررة لدول غرب البلقان وأوكرانيا ومولدوفا وجورجيا، ومن جهة أخرى يعجز عن تحديد جدول زمني أو مسار سياسي للانضمام، وهو ما يضعف مصداقية الاتحاد، ويفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ.

أخبار ذات علاقة

أعلام دول الاتحاد الأوروبي

انقسامات داخلية وتهديدات خارجية.. وحدة أوروبا تواجه اختبارا حاسما

الاقتصاد

على المستوى الاقتصادي يعبر الاتحاد الأوروبي إلى العام 2026 بنمو متواضع لا يتجاوز في المتوسط 1.5%، مع تفاوتات كبيرة بين الدول، ففي حين تعاني ألمانيا من تباطؤ صناعي نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الصادرات، تسجل دول جنوب أوروبا معدلات نمو أفضل نسبيًا بفضل السياحة والاستثمارات.

أما بالنسبة للتضخم فرغم تراجعه مقارنة بذروة 2022–2023، لا يزال يؤثر في القدرة الشرائية، فيما تستمر أسعار الفائدة المرتفعة في الضغط على الاستثمارات وسوق الإسكان.

ويضاف إلى ذلك عبء التحول الأخضر والرقمي، الذي يتطلب استثمارات تُقدَّر بتريليونات اليوروهات حتى عام 2030.

المناخ والبيئة

على صعيد المناخ، يشكل عام 2026 محطة مفصلية لتنفيذ أهداف الاتحاد الأوروبي الطموحة، التي تنص على خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 90% بحلول 2040 مقارنة بعام 1990، والوصول إلى الحياد المناخي بحلول 2050.

وتشير تقارير إلى أن الاتحاد الأوروبي نجح حتى الآن في خفض الانبعاثات بنحو 55% تقريبًا مقارنة بمستويات 1990، لكن سياسات المناخ تواجه مقاومة متزايدة من قوى يمينية تعتبرها عبئًا على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

وقد شهدت عدة دول احتجاجات ضد ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، ما يفرض على الحكومات الأوروبية في 2026 إيجاد توازن دقيق بين الطموح البيئي ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

الشراكة عبر الأطلسي

لا يمكن فصل التحديات الداخلية الأوروبية عن السياق الدولي الأوسع، ولعل تصدّع العلاقة مع واشنطن يأتي في المقدمة، فالتحالف عبر الأطلسي الذي شكل لعقود ركيزة للأمن والتعاون الوثيق، لم يعد يدار بالقدر نفسه من الثقة.

ويرى خبراء أن هذا التحالف بات يخضع لحسابات سياسية وسط تزايد النزعات الانعزالية داخل الولايات المتحدة، وتمسك ترامب بشعار "أمريكا أولاً"، وهذا يعني أن الاعتماد الطويل على المظلة الأمنية الأمريكية لم يعد مضمونًا كما في السابق.

وإلى جانب البعد السياسي، تتسع الفجوة الاقتصادية بين الطرفين بفعل سياسات أمريكية تمنح الأفضلية للإنتاج المحلي وتفرض رسومًا جمركية باهظة، وتضع الشركات الأوروبية في موقع تنافسي أضعف.

وبينما تحاول بروكسل الحفاظ على الشراكة مع واشنطن، ستجد نفسها مضطرة في 2026 إلى التفكير بجدية أكبر في كيفية تقليص هذا الاعتماد، والبحث عن بدائل.

أخبار ذات علاقة

صعود اليمين المتطرف في أوروبا

2025 عام اليمين المتطرف.. أوروبا على حافة "التحول الكبير"

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC