اعتبر موقع "أمريكان كونسرفيتيف" أن الانخراط العسكري في إيران يقوض القدرات الأمريكية في شرق آسيا، ما من شأنه تشتيت التركيز الأمريكي على الصين، منتقدًا سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب الحالية.
وأوضح أن القاعدة الصناعية والميزانية ليستا موارد مفتوحة، ما يجعل استنزاف السلاح في منطقة ما خصماً من قوة الردع في منطقة أخرى، وهو ما أكدته الإدارة الأمريكية مؤخراً حينما نقلت أجزاءً حيوية من منظومة الدفاع الجوي من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط.
وتعكس تلك الخطوة تراجعاً عن استراتيجية "الاستدارة نحو آسيا"، التي كان يُفترض أنها تمثل الأولوية القصوى لمواجهة التوسع الصيني المتزايد، وفقًا للموقع الأمريكي.
ويرى مراقبون أن المغامرة الأمريكية في إيران لا تؤلم الصين كما يروج البعض، بل تمنحها ميزة استراتيجية كبرى، إذ تغرق الولايات المتحدة في مستنقع جديد يشغلها عن المنافسة الوجودية في المحيط الهادئ، ويعيد تكرار أخطاء العقود الماضية.
وشهدت نهاية عهد باراك أوباما وبداية ولاية ترامب الأولى توافقاً نادراً على ضرورة تقليص الالتزامات في الشرق الأوسط، واستهدف هذا التوافق حينها تفرغ واشنطن لمواجهة بكين، وهو ما دفع ترامب سابقاً لإنهاء التورط العسكري الطويل في أفغانستان.
وحطم قرار ترامب بخوض الحرب مع إيران في شهر شباط/فبراير الماضي هذا الإجماع الحزبي قبل أن يترسخ في الوجدان السياسي، وباتت فكرة التركيز على آسيا تبدو اليوم حلماً بعيد المنال، تماماً كما كانت في بدايات القرن الحالي إبان حروب العراق.
وبيد أنَّ هناك فارقاً جوهرياً يتمثل في صعود الصين كأول منافس "نظير" للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويؤكد الواقع الجديد انتهاء حقبة القطب الواحد، مما يفرض على واشنطن الحفاظ على ثقة حلفائها الآسيويين كضرورة حتمية للمواجهة.
وعلاوة على ذلك، لا تسهم التحركات العسكرية الأخيرة في طمأنة الشركاء الإقليميين، بل تثير لديهم شكوكاً عميقة حول جدية الالتزام الأمريكي، فقد سحبت واشنطن سفن الهجوم والمدمرات وحاملات الطائرات من اليابان وبحر الصين الجنوبي لتعزيز الحصار على إيران.
وبالتوازي مع ذلك، يبرز مثال منظومة "ثاد" في كوريا الجنوبية كأحد أكثر القرارات إثارة للجدل في أروقة السياسة الدولية، فقد تحملت سيول ضغوطاً اقتصادية صينية هائلة لاستضافة المنظومة، لتجد واشنطن اليوم تسحب أجزاءها فجأة وتتركها في مواجهة المجهول.
ونتيجة لذلك، تتزايد مخاوف الدول الآسيوية من تعميق شراكاتها مع الولايات المتحدة، خشية أن تتركها الأخيرة وحيدة عند نشوب أي أزمة، وتؤدي هذه المواقف إلى تقليص الخيارات الدبلوماسية والعسكرية المتاحة لأمريكا في منطقة تشكل مستقبل الاقتصاد العالمي.
ومن ناحية أخرى، تظل قدرات الإنتاج الدفاعي محدودة، حيث لا يمكن إرسال السلاح المصنع حديثاً إلا لجبهة واحدة فقطـ وبإرسال هذا العتاد الضخم إلى الشرق الأوسط، ترسل أمريكا رسالة مفادها أن آسيا لم تعد تمثل الأولوية الاستراتيجية القصوى لديها.
كما يرى محللون أن واشنطن تذهب للحرب بالقاعدة الصناعية التي تملكها بالفعل، لا بتلك التي تتمنى الحصول عليها مستقبلاً، وبينما يمكن للقاعدة الصناعية أن تتوسع، فإن عامل الوقت يظل هو الخصم الأكبر في سباق التسلح مع بكين.
ويبدو أن القادة في واشنطن يفضلون الانشغال بتحديات الماضي وتصفية حسابات العقود المنصرمة في الشرق الأوسط بينما تتطلب تحديات الغد تركيزاً كاملاً على آسيا، قبل أن تفقد أمريكا نفوذها التاريخي هناك؛ ويذهب أمر توجهها إلى آسيا إلى الأبد.