في حين قد تمنح الحرب النظام الإيراني فرصة للاختباء خلف خطاب "الدفاع عن الدولة"، لكنها في الوقت نفسه تؤجل انفجاراً داخلياً أعمق.
المعطيات القادمة من مراكز الأبحاث والصحافة الدولية تشير إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في القصف، بل في اليوم الذي يتوقف فيه، حين يواجه النظام اقتصاداً مثقلاً، ومجتمعاً مكبوتاً، وبنية حكم أكثر توتراً وانكشافاً.
وتشير تقديرات نقلها "بزنس إنسايدر/ Business Insider"، إلى أن الحرب لم تستنزف الاقتصاد الإيراني فقط، بل دفعت به نحو انكماش حاد، مع ارتفاع كبير في الأسعار وتعطل قطاعات إنتاجية أساسية، خاصة في الطاقة والصناعة.
هذا التدهور لا يتوقف مع وقف النار، بل يبدأ فعلياً عندها، إذ تتحول القضايا المؤجلة خلال الحرب، مثل: التضخم، والبطالة، وتراجع الدخل، إلى عوامل ضغط يومية.
وتوضح تحليلات اقتصادية أن سلاسل الإمداد المتضررة، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ستستمر في دفع الأسعار إلى الأعلى حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
وخلال الحرب، وسّع النظام أدواته الأمنية إلى مستويات غير مسبوقة، من اعتقالات جماعية إلى قطع الإنترنت وتشديد الرقابة.
وتوضح تقارير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن الأزمة داخل إيران ذات طابع "هيكلي"، مع استمرار التوترات الاجتماعية منذ ما قبل الحرب، ما يعني أن انتهاء القتال قد يعيد هذه التوترات إلى السطح بشكل أكثر حدة.
والقمع الذي ساعد النظام على ضبط الداخل أثناء الحرب، قد يتحول بعدها إلى عبء، حين يفقد مبرره المباشر، ويبدأ المجتمع بمساءلة السلطة عن كلفة الحرب ونتائجها.
وكان أحد أبرز تحولات الحرب يتمثل في طبيعة السلطة داخل إيران، فقد أظهرت تقارير "إيران إنترناشونال" أن الحرس الثوري عزز دوره بشكل واضح خلال العمليات، ما يعكس انتقال مركز القرار نحو البنية الأمنية.
إلا أن ذلك التحول لا يعني استقراراً، بل قد يفتح الباب أمام توترات داخلية، فالتقارير نفسها أشارت إلى وجود تباينات بين مراكز القرار السياسية والعسكرية، ما يعكس إشكالية أعمق تتعلق بمن يملك السلطة الفعلية.
في هذا السياق، لم توحّد الحرب النظام، بل كشفت توازناته الهشة، وهو ما يجعل مرحلة ما بعدها أكثر حساسية.
ورأى الخبير الإستراتيجي محمد يوسف النور، أن ما بعد الحرب يمثل "المرحلة الأكثر خطورة على النظام الإيراني"، لأن التهديد ينتقل من الخارج إلى الداخل.
ويشير لـ"إرم نيوز"، إلى أن "الحرب توحّد أجنحة النظام مؤقتاً عبر خلق عدو خارجي، لكنها تخفي التناقضات الداخلية ولا تعالجها" ، موضحاً أن توقف القتال سيعيد فتح ملفات الاقتصاد والشرعية والسلطة دفعة واحدة.
ويضيف النور أن النظام سيواجه تحدياً مركباً، أولاً على الصعيد الاقتصادي، في ظل تضخم مرتفع وموارد محدودة، وثانياً على الصعيد الاجتماعي، مع عودة الاحتجاجات المحتملة، وثالثاً على المستوى السياسي، مع تصاعد دور الحرس الثوري على حساب المؤسسات الأخرى.
ويحذّر من أن هذه العوامل مجتمعة قد تدفع إيران إلى "مرحلة عدم استقرار داخلي طويل" ، حيث لا يكون الخطر في الضربة العسكرية، بل في القدرة على إدارة نتائجها.
تشير تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية إلى أن انتهاء الحرب لا يعني نهاية المواجهة، بل انتقالها إلى أشكال أخرى، مثل: الضغوط الاقتصادية، والصراع منخفض الحدة.
ويعني هذا السيناريو أن إيران لن تخرج إلى "سلام" ، بل إلى حالة استنزاف ممتد، حيث تتداخل الأزمات الداخلية مع الضغوط الخارجية، ما يزيد من هشاشة النظام.
وفي هذه المرحلة، لا يكون التحدي في الصمود أمام الضربات، بل في إدارة ما بعدها، حيث تصبح الأسئلة الداخلية أكثر إلحاحاً من أي تهديد خارجي.