تفرض التقلبات الجيوسياسية العالمية التي أحدثها الرئيس دونالد ترامب والتوترات الناجمة عن الحرب الإيرانية على الصين بتحولات في إستراتيجية الصين الاقتصادية تجاه أفريقيا.
وفي ظل ضغوط متعددة، اختارت بكين مقاطعة هونان لتصبح وحدة تنفيذ مشروع لعصر جديد من التجارة والتنمية بين الصين وأفريقيا.
وبدأت إستراتيجية الصين تجاه أفريقيا بالتحول في عام 2019، نحو الاستثمار، وترتكز هذه في مقاطعة هونان.
وظهر "نموذج هونان" نتيجةً لتحديات الاستدامة التي واجهها ما يعرف بـ"نموذج أنغولا" (بناء البنية التحتية واستخراج الموارد). ونظرًا لهشاشة الدول الأفريقية أمام الصدمات، فإنها غالبًا ما تجد صعوبة في مواكبة سداد الديون المتزايدة.
أما العامل الآخر فكان تغير الاحتياجات المحلية للصين، كما تعرضت الشراكات التجارية التقليدية وممرات النمو لمنافسة متزايدة وعوائق تجارية عالية. وقد ازداد هذا النموذج أهمية منذ الموافقة الرسمية على منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري العميق بين الصين وأفريقيا في أوائل عام 2024.
وتضم مدينة تشانغشا، عاصمة مقاطعة هونان، ثالث أكبر سوق جملة في الصين، وهو سوق غاوتشياو الكبير. ويُعد هذا السوق مركز التوزيع الرئيسي للواردات الأفريقية التي تصل إلى تشانغشا وما حولها، وتمر عبر "الممرات الخضراء" التي تُسرّع من وصول الصادرات الأفريقية إلى الصين.
يضم السوق قاعة دائمة لتسهيل التجارة حيث تقوم الدول الأفريقية بتسويق سلعها مباشرة، كما توفر خدمات تجارية أخرى.
وستُمثّل الحرب في إيران اختبارًا لهذه الاستراتيجية، حيث ينظر الباحث السياسي في جامعة عبدو موموني في نيامي عبد الرؤوف مولاي بحذر إلى الأمر، ففي الوقت الراهن، تُبدي الصين صمودًا جيدًا اقتصاديًا، ونوّعت مزيجها من مصادر الطاقة وإمداداتها على مدى الثلاثين عامًا الماضية، مما منحها مجالًا للمناورة في مواجهة الأزمة، كما أنها لا ترغب في أزمة طويلة الأمد نظرًا لاعتمادها على الصادرات، وبالتالي على التجارة الدولية.
ولفت الباحث السياسي في حديث لـ"إرم نيوز"، إلى التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط التي أحدثت صدمةً كبيرةً للاقتصاد العالمي وسلاسل إمداد الطاقة فيه، مرجحًا تعزيز هذا الواقع الجديد من جهود الصين نحو الطاقة المتجددة وكهربة اقتصادها، وقد يُؤدي أيضًا إلى زيادة الطلب العالمي على السيارات الكهربائية.
ورغم أن نموذج هونان يركز على تجاوز الحواجز غير الجمركية أمام التجارة، ويقدم بديلاً صناعيًا للسياسات السابقة التي كانت تعتمد بشكل كبير على الاستخراج، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، فالحجم الهائل للصادرات الصينية إلى أفريقيا - التي ارتفعت بنسبة 17.7% في عام 2025 بينما لم تتجاوز نسبة نمو الصادرات الأفريقية إلى الصين 5.4% - يؤكد على تفاقم اختلال التوازن التجاري.
في المقابل، ابتداءً من 1 مايو/ أيار 2026، ستمنح الصين إعفاءً جمركيًا لـ 53 دولة أفريقية.
ورغم أن هذا قد يعزز الصادرات الأفريقية وسلاسل القيمة الإقليمية، إلا أنه ينطوي أيضًا على خطر تفضيل الاقتصادات الأكثر تطورًا على حساب الدول الأفريقية الأقل نموًا.
وستُحدث الصين تغييرًا جذريًا في التجارة مع أفريقيا، فقد أعلن الرئيس شي جين بينغ في فبراير/ شباط 2026 عن تطبيق نظام إعفاء جمركي كامل على 53 دولة أفريقية القارة بأكملها باستثناء إسواتيني التي تعترف بتايوان.
وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي وصل فيه حجم التجارة الصينية الأفريقية إلى 348 مليار دولار بحلول عام 2025، مما يخل بالتوازن التجاري حيث تصدر الصين بشكل كبير إلى القارة 225 مليار دولار بينما تستورد فقط 123 مليار دولار من أفريقيا.
وتحذر لورين جونستون، الباحثة المشاركة في مركز الدراسات الصينية بجامعة سيدني قائلة إنه من ناحية، هناك إمكانات كبيرة للتكامل الإقليمي وتسريع الصادرات الأفريقية؛ ومن ناحية أخرى، هناك خطر من أن تستحوذ الاقتصادات الأكثر تنافسية بالفعل على الفوائد.