في وقتٍ يتواصل فيه التصعيد العسكري المرتبط بالحرب على إيران، عادت الحدود بين باكستان وأفغانستان للاشتعال مجددًا خلال الساعات الماضية، عبر تبادل للقصف واتهامات متبادلة بشأن نشاط جماعات مسلحة عابرة للحدود.
ويتقاطع هذا التطور مع التوتر الإقليمي القائم ويدفع إلى طرح احتمال امتداد تأثير الحرب إلى ساحات أبعد من الخليج، عبر جبهات قائمة أصلًا مثل الحدود الباكستانية–الأفغانية التي تعود للاشتعال في هذا التوقيت.
في حين جاءت عودة الاشتباكات مباشرة بعد انتهاء الهدنة التي أُعلنت خلال عطلة عيد الفطر بوساطات إقليمية؛ ما يؤكد أن التهدئة لم تتجاوز كونها توقفًا مؤقتًا ضمن مسار تصعيد قائم، ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية مع إعلان رئيس الوزراء الباكستاني استعداد بلاده لتسهيل "محادثات حاسمة" لوقف الحرب في إيران.
ويشير ذلك إلى انخراط سياسي مباشر يضع إسلام آباد أمام تداخل واضح بين تحركاتها الدبلوماسية الإقليمية والتوتر المتجدد على حدودها مع أفغانستان.
تداخل المسارات الأمنية والسياسية
ويرتبط تمدد الحرب بتسرب تأثيرها إلى بيئات تعيش أصلًا على توترات أمنية مستمرة، حيث تتفاعل هذه البيئات مع الضغط الإقليمي عبر تصاعد الاحتكاكات المحلية وتزايد العبء على القرار الأمني والسياسي داخل الدول المجاورة، والحدود الباكستانية–الأفغانية تمثل إحدى هذه النقاط التي تستجيب سريعًا لأي ضغط إضافي وتتحول إلى مساحة يتكثف فيها التوتر تحت تأثير ما يجري حول إيران.
فيما تتجاوز الاشتباكات على الحدود كونها حدثًا أمنيًا منفصلًا؛ إذ ترتبط بحالة ضغط أوسع تمتد إلى موقع باكستان داخل الإقليم، حيث يتداخل انخراطها السياسي في ملف إيران مع تصاعد التوتر على حدودها الغربية ومع انعكاسات اقتصادية تمس حركة الممرات التجارية، وهذا التداخل يخلق حالة استنزاف تدريجي في القدرة على المناورة ويجعل تعدد الملفات عبئًا متراكمًا يضغط على خيارات الدولة.
المواجهات اندلعت يوم أمس، عبر تبادل القصف وسقوط ضحايا بحسب ما أعلنته مصادر من الجانبين، وسط استمرار الاتهامات الباكستانية بوجود مسلحين ينطلقون من داخل الأراضي الأفغانية مقابل نفي كابول وتحميلها الطرف الآخر مسؤولية التصعيد، بينما تؤكد إسلام آباد أن الحرب على إيران تنعكس عليها بشكل مباشر اقتصاديًا وأمنيًا، مع اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع المخاطر الإقليمية.
في حين أن تزامن عودة القتال على الحدود مع تحرك باكستان في ملف إيران يفرض عليها توزيع الجهد بين مسار دبلوماسي ومسار عسكري في وقت واحد.
ومع استمرار الاشتباكات تصبح قدرة إسلام آباد على الحفاظ على دور الوسيط مرتبطة بمدى قدرتها على ضبط الجبهة مع أفغانستان؛ لأن اتساع القتال أو خروجه عن السيطرة سيقلّص من هامش تحركها السياسي، ويدفعها إلى إعطاء الأولوية للأمن الحدودي على حساب الوساطة، وهو ما يضع هذا الدور أمام اختبار مباشر في المرحلة الحالية.
إعادة تشكيل خرائط التوتر
هذا التصعيد يأتي في وقت أعادت فيه باكستان فتح ملف ترحيل اللاجئين الأفغان غير النظاميين خلال الأشهر الماضية، مع تنفيذ إجراءات ميدانية رافقتها توترات أمنية؛ ما يضيف ضغطًا على العلاقة مع كابول، ويجعل أي اشتباك جديد على الحدود عاملاً معقداً لهذا الملف، سواء من الناحية الأمنية أو الإنسانية.
بينما ترفض السلطة في أفغانستان بشكل متكرر اتهامات باكستان بإيواء مسلحي حركة طالبان باكستان، وتؤكد أن الأراضي الأفغانية لا تُستخدم لشن هجمات، لكنها في المقابل لم تُقدّم ترتيبات أمنية مشتركة أو آليات تنسيق فعالة لضبط الحدود، وهو ما يُبقي الخلاف مفتوحاً مع استمرار نشاط هذه الجماعات في ولايات قريبة من خط دوراند مثل ننغرهار وكونار.
وقد شهدت العلاقة بين كابول وإسلام آباد تغيرًا واضحًا منذ عودة طالبان إلى الحكم عام 2021؛ إذ لم تعد الحركة تتعامل مع الملف الأمني على الحدود وفق الرؤية الباكستانية، ورفضت اتخاذ خطوات مباشرة ضد حركة طالبان باكستان، ما جعل الخلاف يتخذ طابعًا مستمرًا ويتحول إلى مصدر دائم للتوتر.
وتذهب بعض التقديرات البحثية إلى قراءة التصعيد ضمن بيئة أزمات متداخلة، كما في تحليل صادر عن Pulaski Foundation، في أن التصعيد المرتبط بإيران يعيد تشكيل البيئة الإقليمية عبر تنشيط بؤر توتر قائمة في مناطق تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وتداخل في الفاعلين المسلحين؛ ما يسمح بارتفاع وتيرة الاحتكاكات المحلية تحت تأثير ضغط إقليمي متزايد.
ضمن هذا الإطار، يرتبط التصعيد على الحدود الباكستانية–الأفغانية بهذه الدينامية الأوسع؛ إذ يتفاعل التوتر الحدودي مع سياق إقليمي مشحون ويكتسب عوامل إضافية للاستمرار، مع تحذيرات من انتقال آثار عدم الاستقرار إلى فضاءات أوسع في آسيا الوسطى مع امتداد الضغط عبر مسارات الطاقة والنقل.
الممرات الاقتصادية تحت ضغط التوترات الإقليمية
في سياق موازٍ، يرتبط استقرار الحدود بين باكستان وأفغانستان مباشرة بمشاريع البنية التحتية التي تمر عبر باكستان، خصوصًا الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني الذي يشكل جزءاً من مبادرة الحزام والطريق، حيث تعتمد بكين على بيئة أمنية مستقرة لحماية استثماراتها وخطوط النقل، وفي المقابل تتابع الولايات المتحدة هذه التطورات من زاوية أوسع تتصل بمسار الحرب على إيران وإدارة التوازن في جنوب آسيا.
كذلك فإن الاشتباكات الحدودية والدور السياسي في ملف إيران والضغوط على الممرات التجارية تتحرك ضمن مسار واحد يتراكم فيه الضغط داخل بنية واحدة؛ إذ يؤدي التصعيد الأمني إلى تضييق هامش الحركة السياسية، وتنعكس المخاطر على كلفة النقل والاستثمار؛ ما يجعل كل مسار يغذي الآخر ويعيد تشكيل موقع باكستان داخل التوازنات الإقليمية تحت ضغط متصل.
وتضع الاشتباكات الأخيرة هذه المصالح تحت ضغط فعلي؛ إذ إن استمرار القتال قرب المناطق الحدودية يرفع كلفة النقل ويزيد من المخاطر على حركة الشحن عبر باكستان، وهو ما ينعكس سريعًا على مشاريع قائمة وعلى بيئة الاستثمار، من دون أن يصل إلى تعطّل مباشر حتى الآن، لكنه يبقي هذه الممرات ضمن نطاق التأثر بأي تصعيد إضافي.
هذا ويرتبط التصعيد على الحدود الباكستانية–الأفغانية ببيئة إقليمية مضغوطة تتوسع فيها آثار الحرب على إيران عبر مسارات غير مباشرة تعيد توزيع الضغط داخل الإقليم، واستمرار التوتر على الحدود يقلص قدرة باكستان على الحفاظ على دور سياسي متوازن ويدفعها نحو إعطاء الأولوية للاعتبارات الأمنية الداخلية؛ ما يضعف حضورها في أي مسار وساطة ويُبقي جنوب آسيا ضمن نطاق التأثر بالحرب من دون أن يتحول إلى جبهة مفتوحة في المرحلة الحالية.