عراقجي: لم نستخدم سوى جزء ضئيل من قوتنا في ردنا على الهجوم الإسرائيلي على بنيتنا التحتية

logo
العالم

من الاستثمار إلى إدارة الأزمات.. تحول هادئ في السياسة الصينية تجاه جنوب آسيا

وزيرا خارجية أفغانستان والصين في كابولالمصدر: أ ف ب

يتكثف الحضور الدبلوماسي الصيني في كابول وإسلام آباد خلال الأيام الأخيرة بوتيرة لافتة، في مرحلة إقليمية تتسم بارتفاع منسوب التوتر الأمني وتعقّد التفاعلات الحدودية بين أفغانستان وباكستان، بما يضع المصالح الاقتصادية الصينية أمام اختبار مباشر. 

أخبار ذات علاقة

الناطقة باسم الخارجية الصينية، ماو نينغ

"قلق بالغ".. الصين تدعو أفغانستان وباكستان إلى ضبط النفس

اللقاءات المتكررة التي أجراها المبعوث الصيني مع المسؤولين الأفغان، إلى جانب الاتصالات السياسية مع الجانب الباكستاني، تعكس إدراكاً متزايداً لدى بكين بأن الاستقرار في هذه الجغرافيا بات مسارًا يتطلب إدارة نشطة ومتواصلة.

ويأتي هذا الحراك في سياق تتزايد فيه هشاشة البيئة الأمنية المحيطة بمشاريع البنية التحتية، سواء على مستوى الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، أو على مستوى الانخراط الصيني المتدرج داخل أفغانستان، حيث تلتقي الحسابات الاقتصادية مع تعقيدات المشهد السياسي والأمني المحلي.

وخلال الأسابيع الماضية، تصاعدت حدة العمليات العسكرية المتبادلة بين أفغانستان وباكستان، وشمل ذلك ضربات جوية وهجمات بالطائرات المسيّرة، مع استمرار الاتهامات المتبادلة بإيواء جماعات مسلحة والتساهل مع أنشطتها عبر الحدود.

تحرّك صيني لاحتواء التصعيد

كثّفت الصين، خلال الأسبوع الأخير، حضورها السياسي عبر مسار دبلوماسي متعدّد المستويات، قاده المبعوث الصيني الخاص إلى أفغانستان يوي شياويونغ، الذي انتقل بشكل متكرر بين كابول وإسلام آباد. 

أخبار ذات علاقة

جندي في طالبان

باكستان و"طالبان أفغانستان".. ما جذور الأزمة بين "حلفاء الأمس"؟ (فيديو إرم)

في كابول، التقى شياويونغ بوزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي، حيث ركّزت المباحثات على تدهور الوضع الأمني والتداعيات الإقليمية للتصعيد، مع تأكيد صيني على ضرورة "منع مزيد من التصعيد"، إلى جانب طرح بكين نفسها كوسيط داعم لمسار الحوار السياسي.

بالتوازي، أجرى المبعوث الصيني اتصالات ولقاءات مع مسؤولين باكستانيين في إسلام آباد، في محاولة لاحتواء التوتر من الجانبين دون الانحياز لأي طرف، مع التشديد على أولوية حماية المشاريع الصينية وضمان أمن العاملين والمنشآت المرتبطة بها داخل باكستان.

على مستوى أعلى، دخل وزير الخارجية الصيني وانغ يي مباشرة على خط الأزمة عبر اتصالات هاتفية منفصلة، أبرزها مع وزير الخارجية الأفغاني، حيث شدد على أن "اللجوء إلى القوة لن يؤدي إلا إلى تعقيد الوضع"، داعياً إلى استئناف الحوار المباشر ووقف التصعيد العسكري.

وفي اتصال موازٍ مع الجانب الباكستاني، أعاد وانغ يي التأكيد على دعم الصين لإسلام آباد في ملف مكافحة الإرهاب، لكنه ربط هذا الدعم بضرورة تهدئة المشهد المحيط وتأمين بيئة آمنة للمشاريع الصينية، ما يعكس محاولة بكين الجمع بين الالتزام الاستراتيجي مع باكستان والحفاظ على دور الوسيط مع كابول.

الأمن كشرط للاستثمار

في المقاربة الصينية، تتقاطع حسابات الأمن والاستثمار، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع المحددات الأمنية في تشكيل القرار. 

المشاريع التي تقودها بكين في باكستان، من الطاقة إلى الموانئ وشبكات البنى التحتية، ترتكز على استقرار جغرافي ممتد، يتصل مباشرة بالداخل الأفغاني، الذي يشكّل امتداداً مباشراً يؤثر في بيئة هذه المشاريع.

ضمن هذا الإطار، يشكّل أي تصعيد بين كابول وإسلام آباد عاملًا مباشراً في رفع مستوى المخاطر المرتبطة بالاستثمارات الصينية، عبر تعطيل مسارات الإمداد وإبطاء وتيرة التنفيذ، إلى جانب إتاحة المجال أمام فواعل غير دوليّة لإعادة التموضع داخل فراغات أمنية. 

وتدرك بكين أن اتساع هذه البيئات الهشّة سينعكس على كلفة الاستثمار واستدامته، وقد يدفع نحو إعادة تقييم نموذج التوسع الاقتصادي الذي اعتمدته خلال العقد الأخير.

تحولات الحضور الصيني

ويأتي التحرك الصيني الحالي في سياق مسار متدرّج بدأ يتبلور منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان العام 2021، حين سارعت بكين إلى إبقاء قنواتها مفتوحة مع كابول، وذهبت لاحقاً إلى خطوات أكثر تقدماً تمثلت في استقبال وفود طالبان، ثم تعيين سفير صيني لدى الحكومة الأفغانية، لتكون من أوائل الدول التي منحت السلطة الجديدة الاعتراف العملي غير المعلن.

هذا الانخراط ارتبط بمحاولات صينية مبكرة لإعادة تفعيل مشاريع اقتصادية متوقفة، أبرزها مشروع منجم النحاس في "مس عينك"، إلى جانب اهتمام متزايد بقطاع الليثيوم والمعادن النادرة، وهو ما جعل الاستقرار داخل أفغانستان شرطًا أساسياً لأي حضور اقتصادي طويل الأمد. 

أخبار ذات علاقة

وزير الخارجية الصيني ووزير خارجية حكومة طالبان

بكين تعزز وجودها في أفغانستان بعد تراجع النفوذ الغربي

في المقابل، تستند العلاقة مع باكستان إلى شراكة ممتدة تعززت نوعياً منذ إطلاق "الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني" العام 2015، بوصفه أحد أعمدة مبادرة "الحزام والطريق" وممراً يمنح بكين منفذاً أكثر مباشرة نحو التجارة والطاقة.

وفي السنوات الأخيرة، حاولت الصين نقل هذا النموذج إلى أفغانستان، عبر طرح فكرة توسيع الممر الاقتصادي ليشمل الأراضي الأفغانية، بما يحوّل البلاد إلى حلقة وصل بين آسيا الوسطى وباكستان، إلا أن هذا التصور ظل معلقاً على شرط الاستقرار الأمني، الذي بقي هشاً بفعل التوترات الحدودية والصراع مع الجماعات المسلحة.

دبلوماسية التوازن الحذر

تتحرك الصين ضمن هامش دبلوماسي دقيق، يحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع طرفين يملكان حسابات متباينة ومصالح متقاطعة. 

مع باكستان، ترتكز العلاقة على شراكة استراتيجية ممتدة تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والدفاع، بينما مع كابول، تعمل بكين على بناء حضور تدريجي يستند إلى البراغماتية والانفتاح المشروط. 

والدور الذي تسعى بكين إلى ترسيخه يتجاوز الوساطة التقليدية، ليقترب من نمط إدارة الأزمات عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية متشابكة، دون الانتقال إلى مستوى التدخل السياسي المباشر. 

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب والرئيس الأوزبكي شوكت ميرزيوييف في لقاء سابق

ترامب يواجه هيمنة الصين باتفاق مع أوزباكستان بشأن المعادن الحرجة

تضع هذه التطورات الصين أمام اختبار فعلي لطبيعة حضورها في جنوب آسيا، فالنموذج الذي اعتمدته طويلًا، والقائم على توسيع النفوذ عبر الاستثمار والبنية التحتية، يواجه اليوم حدوداً تفرضها البيئة الأمنية المتقلبة. 

ومع تصاعد التحديات، يبدو أن بكين مضطرة لتطوير أدواتها، بحيث لا تكتفي بتمويل المشاريع، إنما تنخرط في تأمين شروط استدامتها.

هذا التحول لا يعني بالضرورة انتقال الصين إلى دور أمني صريح، لكنه يشير إلى إعادة تعريف تدريجية لوظيفتها الإقليمية، حيث تصبح إدارة الاستقرار جزءاً من معادلة النفوذ.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC