منذ بداية عام 2026، تصاعدت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة حول مسألة غرينلاند والرسوم الجمركية الجديدة التي أعلنتها واشنطن.
الولايات المتحدة تمتلك أدوات تساعدها على التخفيف من تأثير هذه القرارات، بينما تفتقر أوروبا إلى حماية مماثلة، وقد تتعرض لضربة قوية إذا اندلعت حرب تجارية.
ويحلل الخبيران الاقتصاديان، بيير بينتاتا ودون دييغو دي لا فيغا، في مجلة "أتلانتيكو" هذه "الدروع الأمريكية"، مشيرين إلى ضعف الموقف الأوروبي.
تمتلك الولايات المتحدة أربع أدوات رئيسية لتخفيف صدمة التعريفات الجمركية، أولها:
يصعب قياس هذه المكاسب بدقة. ويشير بينتاتا إلى أنها تتراوح حالياً بين 2 و3%. وهذه نسبة مرتفعة، لكنها لا تكفي لاستيعاب جميع تأثيرات التعريفات.
ويقول دي لا فيغا إن الذكاء الاصطناعي يحسن الرفاهية ويوفر الوقت ويغير طبيعة بعض المهن، لكنه لا ينعكس فوراً في الناتج المحلي الإجمالي.
الأمر الثاني هو الطاقة الوفيرة والرخيصة نسبياً، فالولايات المتحدة نجحت في إعادة توجيه إنتاجها من الطاقة لتصبح مصدراً صافياً.
هذا يقلل من تأثير الإجراءات الانتقامية على قطاع الطاقة ويخفض تكاليف الإنتاج للشركات. كما يستفيد المستهلك الأمريكي من النفط الرخيص، الذي يقل سعره عن 60 دولاراً للبرميل.
وهناك درع التخفيضات الضريبية، حيث تستفيد من هذه التخفيضات أساساً الشركات الكبرى والأثرياء، وليس الطبقة المتوسطة.
وعلى المدى القصير، تساعد بعض القطاعات على امتصاص الصدمات، لكن على المدى المتوسط قد تظهر قطاعات غير تنافسية.
ويقول بينتاتا إن هذه السياسة تتماشى مع استراتيجية ترامب لتعزيز الأوليغارشية الاقتصادية والتقنية.
وأخيرا هناك درع إلغاء القيود التنظيمية، وتأثير هذه الخطوة لا يزال محدوداً وقائمًا على بعض القطاعات.
يوضح دي لا فيغا أن ترامب يركز على قطاعات استراتيجية مثل البنوك والصيدلة، بينما تحرير الأعمال بشكل شامل لا يزال في إطار النظرية أكثر من التطبيق.
رغم هذه الدروع، تبقى السياسة التجارية مكلفة. ويقدر بينتاتا أن تكلفة المستهلك الأمريكي تتراوح بين 1500 و2000 دولار من فقدان القوة الشرائية، مع تباطؤ النمو بمقدار نصف إلى نقطة مئوية واحدة.
ويشير دي لا فيغا إلى أن اتخاذ هذه السياسات يشبه ارتكاب خطأ ثم محاولة تعويضه.
ويؤكد: لو لم يعرقل الاقتصاد الأمريكي نفسه تجارياً، لكان النمو المتوقع 4% بدلاً من 1.7% في عام 2026.
أوروبا تفتقر إلى الأدوات الأمريكية نفسها. واعتماد الدول الأوروبية على الطاقة مختلف ومتفاوت، ما يصعب تنسيق السياسات الاقتصادية، فمكاسب الإنتاجية ضعيفة، والقواعد التنظيمية صارمة، ولا توجد دروع مماثلة للدروع الأمريكية.
ومع ذلك، فإن السوق المشتركة الأوروبية ميزة نسبية، حيث تكون معظم التدفقات التجارية داخلية، والتعرض المباشر للولايات المتحدة محدود.
يحذر دي لا فيغا من أن أوروبا لا تملك نفس "الدروع"، بنسب الصادرات والواردات مقارنة بالناتج المحلي مرتفعة، والدول الأوروبية أكثر انفتاحاً، ولا تملك نفس السيادة الطاقوية أو الجيوسياسية.
وإذا قررت الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات انتقامية، مثل تقييد الوصول إلى الدولار لبعض البنوك الأوروبية، فقد يؤدي ذلك إلى أزمة مالية كبيرة.
يقترح بينتاتا تعزيز الاستثمار المباشر وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتوطيد الشراكات التجارية، مثل التعاون مع دول الميركوسور، لتنويع الاقتصاد.
وتبقى إصلاحات الإنتاجية ضرورية لتحسين القدرة التنافسية، كما أوصى تقرير رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي.
ويخلص دي لا فيغا إلى أن الأولوية يجب أن تبقى للتجارة الحرة، وأن أي انحراف عنها محفوف بالمخاطر، لافتا إلى أن الأمريكيين قد يرتكبون أخطاء، لكن أوروبا لا يجب أن تقلدهم أو ترد بإجراءات متسرعة.